فلسفة الذاكرة والجوهر: الفضة اليمنية تنطق تحت سماء أكاديمية الفنون

حين يتلاحم التاريخ مع جلاء الصنعة، تصبح المعادن الناطقة وسائط أبدية تروي حكايا الأوطان، فالفضة ليست مجرد حُلي تُصاغ لتعانق الأجساد، بل هي وعاء سيميائي يحمل هوية الأمة، وذاكرة تنبض بأسرار المكان وزمن الأجداد، وتحت مظلة هذه الرؤية الفلسفية العميقة، تشهد قاعة ثروت عكاشة بأكاديمية الفنون بعد غدا الأربعاء يوماً فارقاً من أيام المعرفة، حيث تُناقش رسالة الماجستير الموسومة بـ "مشغولات الفضة التقليدية - دراسة ميدانية في بعض مناطق اليمن"، المقدمة من الباحثة اليمنية حنان حسن زيد يحيى.
وتأتي هذه الدراسة لتُشكل نافذة إثنوجرافية وجمالية تسبر أغوار الروح اليمنية العتيقة، وتحت إشراف الأستاذة الدكتورة إيمان مهران (رئيس قسم فنون التشكيل الشعبي والثقافة المادية سابقاً، وكيل المعهد العالي لفنون الطفل سابقاً، والمدير التنفيذي بالمنظمة الدولية للفن الشعبي). فيما ضمت لجنة المناقشة والحكم قامات أكاديمية رفيعة المستوى، وهن: الأستاذة الدكتورة إيمان علي مهران (مشرفاً أساسياً ومناقشاً)، والأستاذة الدكتور عطارد عبد المجيد شكري (العميد الأسبق للمعهد العالي للفنون الشعبية مناقشاً من الداخل)، والأستاذ الدكتور أشرف عبد القادر (أستاذ الأشغال الفنية والتراث الشعبي بكلية التربية الفنية – جامعة العاصمة، مناقشاً من الخارج ومقرراً).
توزع بنيان هذه الرسالة العلمية على ثلاثة أبواب رئيسية أحاطت بالظاهرة الفنية من كل جوانبها، فالباب الأول وعنوانه (الفضة في مجتمع الدراسة)، غاص في عمق الجغرافيا والتاريخ، متناولاً في فصله الأول موقع الجمهورية اليمنية وخصائص مجتمع الدراسة في مدينتي صنعاء وزَبِيد من النواحي الجغرافية، والتاريخية، والحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وفي فصله الثاني، توغل في تاريخ صياغة الفضة اليمنية مستجلياً مفهوم الحلي، خامة الفضة وتعدينها ومناجمها ومسمياتها وموازينها، فضلاً عن العوامل التي أدت إلى ازدهار هذه الصياغة العريقة.
أما الباب الثاني وعنوانه (الدراسة الميدانية)، فقد مثل الركيزة التطبيقية للبحث، حيث انقسم إلى ثلاثة فصول، استهلها بالفصل الأول متناولاً الجمع الميداني، الخامات الأساسية والمضافة، أدوات الصياغة، مراحل العمل داخل الورش، طرق التشكيل، وأشكال المشغولات الفضية وأجزائها في المنطقتين، وتناول كذلك الفصل الثاني أنواع حلي الفضة الرجالية والنسائية، استخداماتها، خيوط الفضة وتوظيفها في توشية الأزياء، مع رصد أوجه التشابه والإختلاف بين صنعاء وزبيد في أساليب الصياغة والزخرفة وأنماطها وأشهر صائغي الحرفة.
وفي الفصل الثالث، قدمت الباحثة تحليلاً جمالياً للزخارف المستمدة من البيئة المحيطة، وصولاً إلى دلالات رمزية اللون في الفضة اليمنية، وقد جاء الباب الثالث تحت عنوان (الفضة التقليدية اليمنية بين التنمية والموروث الشعبي)، وفيه عانق البعد الأنثروبولوجي والمستقبلي، إذ تناول الفصل الأول المعتقدات الشعبية، العادات والتقاليد المرتبطة بالمشغولات، والنصوص الأدبية الخاصة بالفضة، بينما اختتم الفصل الثاني والأخير بتسليط الضوء على التأثيرات الخارجية، دور المؤسسات اليمنية في إحياء الحرفة، ومستقبل الحرفي والحرفة في ظل الوضع الحالي، ورصد المتغير والمستحدث، ليتوج البحث بخاتمة جامعة تضمنت النتائج، التوصيات، والمراجع العربية والأجنبية، والملاحق والملخصات.
إن هذا البحث لا يقف عند حدود التوصيف الأكاديمي أو التوثيق الميداني فحسب، بل يمثل صرخة وجودية في وجه عواصف النسيان التي تهدد الذاكرة الإنسانية، إذ إن الفضة اليمنية المكتنزة بأسرار صنعاء وزبيد ليست مجرد حلي منطفئة، بل هي تجسيد مادي لخلود الروح البشرية وهي تطوع قسوة الجبال والصحارى لتولد جمالاً خالصاً، وحين تتوج أكاديمية الفنون هذا الجهد البحثي الرصين، فإنها إنما تعيد الإعتبار لجوهر التراث الإنساني، مؤكدةً أن الحرف اليدوية والفنون التقليدية هي الحصن الأخير الذي يحمي هوية الأمم من الاندثار، وأن الحفاظ على أثر الماضي هو البوابة الوحيدة لصياغة مستقبل الناطقين بلسان الجمال والاصالة.






