الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفي صلاح يكتب: مجدى الجلاد يكشف الصعود النيابى بلا أساس ..نيفين إسكندر بين السؤال والإرتباك

-

ليس كل ظهور إعلامي لنائب في البرلمان يضيء على قوته أو كفاءته، فبعض الحوارات تمر مرور الكرام، وبعضها يتحول إلى مرآة صارخة للخلل في أداء الفرد، دون أن يمس الدولة أو مؤسساتها. الحلقة الأخيرة في برنامج “الحكاية” على قناة MBC مصر، والتي استضاف فيها الإعلامي عمرو أديب النائبة نيفين إسكندر بحضور الكاتب الصحفي والإعلامي المخضرم مجدي الجلاد، كانت إحدى هذه اللحظات الاستثنائية ، لم يكن الحوار مجرد نقاش عابر، بل كشف واضح عن فراغ في الخبرة والمعرفة اللازمة للقيام بمهمة نيابية حقيقية، وقد أثار أسئلة جوهرية عن معايير إختيار النواب ومسؤوليتهم أمام المجتمع.
البرلمان ليس مجرد منصة حضور، ولا صالة ألقاب، ولا وسيلة للحصول على صورة إعلامية جميلة ، هو المكان الذي تُصاغ فيه التشريعات التي تنظم حياة المواطنين اليومية، ويُراقب فيه عمل الحكومة، ويُوزن فيه القرار بما يخدم مصالح الناس ويوازن بين مختلف أولويات الدولة. ومن يعتلي هذا المقعد، فليكن مستعدًا لتحمل مسؤولية أفعاله قبل أن يرفع صوته بالكلام، وليكن مجهزًا بالقدرة على النقاش المنطقي والمواجهة المحترمة، وفهم معنى الفصل بين السلطات، وإدراك طبيعة العمل التشريعي والسياسي. أما حين يفتقد النائب هذه المقومات، يصبح مجرد حضور شكلي بلا قيمة فعلية في النقاشات، ولا قدرة له على ممارسة الرقابة، ولا دور له في حماية مصالح ناخبيه.
ما كشفه الحوار الأخير لم يكن صادمًا بسبب رأي سياسي مخالف، فالتعددية والاختلاف حق طبيعي وضروري في السياسة، بل بسبب غياب أبسط أدوات الحوار والعمل النيابي الفعال.. السياسة ليست هتافًا ولا دفاعًا أعمى، ولا معادلة بسيطة من نوع “مع أو ضد”. السياسة هي قدرة على النقد، ومساحة لفهم الفرق بين الحكومة كأداء قابل للتقييم، والدولة بوصفها كيانًا مؤسساتيًا له استمرارية وحماية، تحويل البرلمان إلى مجرد منصة لتكرار عبارات عامة بلا مضمون حقيقي، هو فقدان للجوهر النيابي، وليس مؤشرًا على ولاء أو التزام.
وهنا يظهر بوضوح الفارق بين الإعلامي المتمرس والنائب غير الجاهز.

مجدي الجلاد، بخبرته الطويلة في العمل الصحفي والتحقيقي، لم يدخل الحوار بسعي للإثارة أو للاستعراض، بل بأسئلة موضوعية، دقيقة، واضحة، تختبر عمق المعرفة والفهم السياسي، لم يسعَ لإحراج أو إصدار أحكام سريعة، بل ترك المنطق يعمل، وترك النائب تكشف حدود معرفتها بنفسها.

عمرو أديب بدوره أدار الحوار بمهنية عالية، منح مساحة للنقاش دون مقاطعة أو تلميح لتوجيه الإجابة، وخلق أجواء عرض حقيقي للقدرة على الإجابة أو للارتباك، وهو ما يجعل المشهد مثالًا حيًا على دور الإعلام في اختبار المسؤولين، لا مجرد الترفيه أو جذب المشاهدين،
الأخطر في المشهد كله ليس الأداء الفردي فقط، بل ما كشفه عن طريقة الصعود إلى البرلمان.

الفوز بنسبة 5% أو حتى 11% من أصوات الناخبين، ثم تقديم هذا الفوز باعتباره “تفويضًا شعبيًا”، ليس مجرد تضليل للجمهور، بل إشارة واضحة إلى ضعف التمثيل ذاته. النائب الذي لا يملك قاعدة دعم حقيقية، لا يملك وزنًا سياسيًا، ولا قدرة على المواجهة، ولا غطاء شعبيًا يمكنه من الدفاع عن مصالح الدائرة أو المشاركة الفاعلة في التشريع. يصبح مجرد رقم في كشف الحضور، لا صوتًا يعبر عن الأمة.
في الدول التي تحترم مؤسساتها وتشريعاتها، تُعد مثل هذه النتائج الانتخابية جرس إنذار، لا مناسبة للاحتفال. فهي تعكس فجوة بين المواطنين وممثليهم، وتكشف عن عزوف أو إقصاء أو فقدان ثقة. أما تحويل هذا الضعف إلى بطولة أو اعتباره إنجازًا، فهو استخفاف بالعقول، وإهانة مباشرة لفكرة التمثيل النيابي.
كما تتضح خطورة نظام القوائم حين يتحول من أداة تنظيم سياسي إلى بوابة لتعيين أسماء بلا معايير واضحة. لا تنافس حقيقي، ولا فرز للكفاءات، ولا اختبار للقدرة على التشريع أو النقاش، بل تصعيد أسماء على أساس القرب أو الطاعة أو سهولة التوجيه. وهذا بالضبط ما يكشفه أداء النائبة أمام الشاشة: غياب الخبرة، ضعف القدرة على صياغة إجابات واضحة، وعدم معرفة طريقة إدارة الحوار السياسي بشكل محترف ومسؤول.
المشكلة في هذا المشهد ليست شخصية بمعنى الهجوم على فرد، لكنها نموذج يُظهِر أن المقعد النيابي أصبح أسبق من الوعي السياسي والفهم التشريعي، وأن الصوت ارتفع على الفكرة، وأن المنصة سبقت القدرة على تحمل المسؤولية. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نظام برلماني، لأن انهيار الأداء الفردي يمكن أن يقوّض قدرة البرلمان على أداء دوره الرقابي والتشريعي.
الدولة لا تخشى نائبًا ناقدًا أو مختلفًا، بل تخشى نائبًا بلا معرفة، بلا فهم، وبلا استقلالية في القرار. هذا النوع من النواب لا يعزز التشريع، ولا يرسخ المؤسسات، بل يضعفها من الداخل، ويجعل من المقعد مجرد رقم في كشف الحضور، لا صوتًا يعبر عن إرادة الناس.
في هذا السياق، بقي الحوار الأخير انتصارًا للسؤال والمنهجية على ارتباك الأداء، وللمهنية الصحفية على التجاهل، فقد أظهرت مساحة النقاش التي وفّرها عمرو أديب ومجدي الجلاد أن الحوار الموضوعي يكشف الحقائق أكثر من أي بيان رسمي أو خطاب عام، ويثبت قيمة الإعلام المستقل كآلية رقابية على الأداء النيابي.
ويبقى السؤال الذي فرض نفسه بعد هذه الحلقة، بلا مواربة:
هل نريد برلمانًا قادرًا على التشريع والمواجهة والنقد المسؤول؟
أم مجلسًا يكتفي بالجلوس في الصورة، ويترك المقعد وحده يتحدث؟.