الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: من هو صبى العالمة؟ حكاية التفاصيل بين ”الحين ”و”الحينى”

-

يا صبي العالمة،دعنا نبدأ من النقطة التي تفرّون منها دائمًا: النقد، ذلك الكائن المزعج الذي يظهر فجأة، فيرتبك المشهد، ويختلط الصوت بالضجيج، وتتحول الملاحظات المهنية إلى اتهامات جاهزة.

فكلما تعثّرت الـ «تفاصيل»، وكلما خان المعنى أصحابه، خرج صوت مألوف يقول: “ده مش نقد… ده واحد عاوز يشتغل”. وهكذا، وبلمسة مسرحية رخيصة، يتحول السؤال إلى جريمة، والرأي إلى نية، والملاحظة إلى مؤامرة.

الـ «تفاصيل» بالـ التعريف طبعًا كيان يُفترض أنه يضيف، فإذا به يكرّر، يُفترض أنه يوضح، فإذا به يربك، يُفترض أنه يحترم عقل المشاهد، فإذا به يشكك في ذكائه، ثم يطالبه بالتصفيق، وحين يظهر من يقول: “توقفوا قليلًا، هناك خلل”، لا نجد ردًا، بل نجد صبي العالمة يؤدي دوره المحفوظ: تشويه النوايا بدل مراجعة الأخطاء.
وهنا نصل إلى بطل المشهد الحقيقي:صبي العالمة..
ليس اسمًا، بل وظيفة،ليس شخصًا، بل حالة.
يظهر أحيانًا في ثوب الـ «حين»، وأحيانًا في قناع الـ «الحيني» ، يختلفان لفظًا، لكنهما متطابقان مضمونًا.

الـ «حين» يقول: “نحن مستهدفون”، الـ «الحيني» يقول: “أكيد عاوز يشتغل” والاثنان، معًا، وجهان لعملة واحدة، مثل الراقصة والطبال: واحدة تهز الصورة، والآخر يمسك الطبله، والنتيجة عرض صاخب بلا معنى.
يا صبي العالمة،ليس كل من انتقدك طامعًا، وليس كل من أشار إلى خطأ حاقدًا.

هناك احتمال قد يبدو صادمًا أن يكون النقد صادرًا عن فهم، لا عن رغبة ،لكن هذا الاحتمال لا يناسب من اعتادوا اختزال العالم في نوايا الآخرين، لأن مواجهة الفكرة أصعب من اتهام صاحبها.
ثم نصل إلى الفصل الأشهر في روايتكم:الشات..آه من الشات!
رسالة تطلب حوارًا تتحول إلى وثيقة إدانة، واقتراح نقاش يُقدَّم كأنه طلب وظيفة مكتوب بالحبر السري، وهنا، يبتسم صبي العالمة ابتسامة المنتصر، ظانًّا أنه أمسك بالدليل القاطع، ناسفًا الفارق بين الحوار والتوسّل، وبين النقد والاستجداء، وكأن المهنة لا تعرف سوى هذا التفسير الساذج.
لكن المشهد لا يكتمل دون الذروة الكبرى:التهديد!
نعم، التهديد… عبر الواتساب.
وكأن الهيبة تُرسل تسجيلًا صوتيًا، وكأن الرد يُقاس بطول الرسالة. وهنا، نقولها بسخرية لا تحتاج إلى شرح: لا يحق لأي صبي، مهما بدّل قناعه بين الـ «حين» والـ «الحيني»، أن يظن أن التهديد بديل عن الرد.. من يهدد لأنه لا يعرف كيف يجيب، كمن يكسر المرآة لأنه لم تعجبه صورته.
وبعد تهديدك، يا صبي العالمة، أجدني مضطرًا وبسخرية كاملة الأركان إلى إعلان «الحرب» عليكم جميعًا، بما فيهم أنت طبعًا؛ حربًا من نوع خاص: حرب الكلمة والوعي والقانون، لا عصيّ فيها ولا صراخ، ولا رسائل صوتية. حرب هدفها الوحيد أن تفهم أن النقد لا يُواجَه بالتهديد، وأن الهيبة لا تُصنَع بالواتساب، ولن يهدأ لي بال، لا عنادًا ولا تشفّيًا، إلا حين تتوقف هذه الـ «تفاصيل» عن العبث بعقل المشاهد، وتعود الأشياء إلى حجمها الطبيعي… أو تُغلق الستارة على عرض صاخب نسي أنه بلا مضمون.
أما اللغة العربية في الـ «تفاصيل»، فهي ضيفة غير مرحّب بها. تُستدعى عند اللزوم، وتُطرد عند الإحراج، وتُكسر على الهواء بلا إعتذار، كأن اللغة عبء، لا أصل المهنة، الجملة تُقال ناقصة، والمعنى يتعثّر، ثم يُقال للمشاهد: “ما الناس فاهمة”.

نعم، الناس فاهمة… وفاهمة جدًا،
والثقافةلا تقلق ،تدخل لدقائق، ثم تغادر مع الفاصل،تُستخدم كإكسسوار لفظي، لا كأداة فهم. السؤال يُطرح بلا عمق، والإجابة تُقاطع بلا سبب، ثم يبدأ الصراخ. وحين يُشار إلى هذا الخلل، يظهر صبي العالمة ليؤكد أن المشكلة ليست في الأداء، بل في نوايا من ينتقد.
يا صبي العالمة،الإعلام ليس رقصة مرتجلة، ولا طبلة تُقرع كلما ساد الصمت.. الإعلام مسؤولية، ومن لا يحتملها يبحث عن شماعة. مرة إسمها “غيرة”، ومرة إسمها “عداء”، ومرة وهي المفضلة “عاوز يشتغل”، أما المراجعة، فهي آخر ما يخطر على البال.
دعني أطمئنك، وبوضوح ممل:
لا أحد ينتظر فرصة،ولا أحد يقف على باب الـ «تفاصيل»،ولا أحد يحلم بالاقتراب من مشهد مرتبك أصلًا.
كل ما في الأمر أن هناك من لا يزال يؤمن بأن الكلمة لها وزن، وأن النقد ليس جريمة، وأن الصمت أمام الرداءة مشاركة فيها.
وفي الختام، يا صبي العالمة،
تذكّر أن الـ «حين» والـ «الحيني» قد يبدوان مختلفين، لكنهما يؤديان الرقصة نفسها،واحد يبرر، والآخر يهدد، والمشهد يدور في الحلقة ذاتها.
أما الكلمة، فتبقى…ساخرة، حادّة، ومزعجة لمن لا يحب أن يرى نفسه بوضوح.