مصطفى صلاح يكتب: محمود سويف..سيرة ومسيرة

في البدء لا يكون الإسم، بل الأثر، ولا تكون الرتبة، بل ما تتركه في المكان من طمأنينة أو خوف، من عدل أو ارتباك.
هكذا تُقرأ السِّيَر الحقيقية، لا في الملفات، بل في الوجوه التي تهدأ حين يُذكر الاسم، وفي الأزقة التي تعرف من يحرسها دون أن يطأ كرامتها. ومن هذا الباب، تُفتح سيرة ومسيرة محمود سويف، رئيس مباحث روض الفرج، بوصفهما حكاية رجل دخل إلى قلب المكان فاستقام، لا لأن السلطة حضرت، بل لأن المعنى حضر معها.
روض الفرج، هذا الحيّ القاهري العتيق، ليس رقعة على الخريطة، بل طبقات من الزمن، وحكايات متراكمة، وقلق قديم يعرف طريقه إلى الصدور. من يتولى أمر الأمن فيه، لا بد أن يكون قارئًا للوجوه، سامعًا لما لا يُقال، مدركًا أن الخطر لا يعلن عن نفسه دائمًا، وأن العدالة حين تتأخر تفسد. وحين اختارت الدولة محمود سويف لرئاسة مباحث هذا المكان، لم تكن تختار رجلًا ليملأ موقعًا، بل كانت تضع ثقتها في مسار أثبت صلابته، وفي عقل يعرف متى يصمت ومتى يحسم.
ليس الهاتف المحمول في يده أداة، بل علامة. يرنّ في الليل كما في النهار، كأنما يحمل أصواتًا لا تنام. كل رنة شهادة على أن الأمن ليس دوامًا ينتهي، بل يقظة دائمة. هنا، لا يُغلق الخط بين رجل والدولة، ولا يُقطع الخيط الرفيع الذي يصل الناس بمن يحرسهم. الهاتف لا يهدأ، والرجل لا يتذمر، لأن من اختار هذا الطريق، اختاره كاملًا، بلا أنصاف حلول.
على وجه محمود سويف، ترى ما لا يُدرَّس في الأكاديميات: خُلُقٌ مستقر، لا يعلو ولا يلين في غير موضعه، وبسالة صامتة، لا تحتاج إلى استعراض. ليست البسالة عنده اندفاعًا، بل قدرة على الوقوف في اللحظة الحرجة دون ارتعاش، وعلى اتخاذ القرار حين يتردد الآخرون. وليست الأخلاق زينة تُستدعى عند اللزوم، بل أصل يحكم الفعل، ويمنح القوة معناها.
مسيرته لم تكن قفزًا بين المناصب، بل تراكمًا بطيئًا للثقة. في كل موقع مرّ به، ترك أثرًا يشبهه: انتظام دون قسوة، وحضور دون ضجيج. وحين جاء تكليفه برئاسة مباحث روض الفرج، جاء كأنما تقول الدولة كلمتها بهدوء: هذا رجل نجح، ومن ينجح يُمتحن أكثر. فالمواقع الصعبة لا تُمنح مكافأة، بل تُسند إلى من ثبت أنه أهل لها.
في حضوره، لا تشعر أن الأمن قادم من علٍ، بل من داخل المكان. الدولة هنا ليست بعيدة، ولا غليظة، بل حاضرة بوجه إنساني، تعرف أن الهيبة لا تُصنع بالخوف، وأن القانون حين ينفصل عن الأخلاق يتحول إلى عبء. لذلك، كان الفهم عنده سابقًا على المواجهة، والوقاية أسبق من العقاب، والإنصات جزءًا من أدوات العمل.
يعرف أن الجريمة ليست دائمًا فعلًا فجائيًا، بل نتيجة مسار طويل من الإهمال أو القهر أو الغياب. ويعرف أن الحسم، حين يأتي بلا فهم، يخلّف جراحًا أعمق من الجريمة ذاتها. من هنا، جاء أداؤه متزنًا، لا يفرّط في حق الدولة، ولا يستهين بكرامة الناس. ميزان دقيق، لا يحمله إلا من تعلّم أن الشجاعة الحقيقية هي أن تحمي دون أن تُهين.
يدير فريقه كما تُدار السرايا القديمة: نظام صارم، لكن تحته ثقة، وأوامر واضحة، لكن تحرسها الأخلاق. لا مكان للفوضى، ولا مساحة للتجاوز. فالانحراف الصغير، في هذا العمل، قد يفتح بابًا لا يُغلق. ومن يدرك ذلك، يعرف أن العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية شاقة.
وفي زمن تتبدل فيه الوجوه، وتتغير فيه أدوات الخطر، ظل محمود سويف يقظًا، متابعًا، قارئًا للتحولات. لم يتكئ على ما كان، ولم يغترّ بما حقق، لأن من يقف في هذا الموضع، إن غفل لحظة، دفع المكان كله الثمن. لكنه، وسط هذا التيقظ، لم يفقد بوصلته الأخلاقية؛ فالخلق عنده ليس خيارًا، بل شرط بقاء.
هكذا تُقرأ سيرة محمود سويف: رجل دخل إلى موقع صعب لأنه نجح، وبقي فيه لأنه أهل. وهكذا تُفهم مسيرته: ليست صعودًا في السلم الوظيفي، بل نزولًا يوميًا إلى عمق المسؤولية. في وجهه أخلاق، وفي موقفه شجاعة، وفي عمله صمت كثيف الدلالة. وبين هذا كله، وطن يطمئن لأن فيه من يحرسه دون أن يعلو عليه.

