الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: باز أفندي..يكتشف متأخرا أن للنضال تاريخا وأن الوطنية لاتكتب بقلم رصاص

-

يبدو أن بعض الأصوات في بلاط صاحبة الجلالة قررت، فجأة، أن تعيد تعريف الوطنية وفق جدول أعمار، وأن تمنح النضال تأشيرة زمنية: من لم يبدأ مبكرًا يُشتبه فيه، ومن طال به العمر يُسأل: لماذا الآن؟ هكذا، وبكل خفة، خرج توصيف أن الكاتب الصحفي مجدي الجلاد “يناضل على كِبَر”، وكأن النضال وظيفة موسمية، أو هواية شبابية تنتهي بانتهاء صلاحية العمر.
والحقيقة أن هذا الفهم، إن دلّ على شيء، فإنما يدل على ارتباك في المعنى قبل أن يكون اختلافًا في الرأي. فالمناصرة الوطنية ليست بيانًا يُعلَّق على حائط العمر، ولا بطاقة تُسحب صلاحيتها مع أول شعرة بيضاء.

الوطنية كما عرفها من عاشوها لا من علّقوا عليها حالة تسكن الدم منذ الصغر، تتشكّل مع أول وعي بالعدل، ومع أول انحياز للحق، ومع أول نفور صادق من الظلم. من تربّى على هذا المعنى لا يحتاج إلى شهادة توقيت، ولا إلى إذن متأخر ليُعلن انتماءه.
والطريف حد السخرية أن من يتهم الآخرين بتأخر النضال يتناسى أن «التعريض» في الكلام أيضًا موهبة مبكرة، لا تُكتسب لاحقًا، فالتعريض ليس ذكاء لغويًا، بل حيلة نفسية، ومنشأه تربية على الالتفاف لا على المواجهة. من اعتاد الإشارة بدل التصريح، والغمز بدل الموقف، سيظل أسير هذا الأسلوب، مهما علا صوته أو كثر ظهوره ، التعريض، في النهاية، لا يطعن الخصم بقدر ما يكشف صاحبه.
ثم نصل إلى النقطة المهنية التي يتجاهلها الخطاب الساخر عمدًا: الفرق الجوهري بين المنتسب لنقابة الصحفيين والمقيد بجدول المشتغلين.

المنتسب وفقًا للقانون محروم من كثير من المزايا، لا يتمتع بالحقوق الكاملة، ولا يتحمل أعباء المهنة كاملة، ويُعامل بوضع انتقالي أقرب إلى الانتظار، لا إهانة في ذلك، لكنه توصيف قانوني لا يقبل الجدل.
أما المقيد بجدول المشتغلين، فهو بالمعنى المهني الصافي «رجل من ظهر راجل»، أي من دخل المهنة من أبوابها، لا من نوافذها، ودفع ثمنها من عمره واستقراره، ووقف في مهبّ رياحها دون أن يطلب مظلة. هذا الوصف ليس تعاليًا، بل خلاصة تجربة، لا تُمحى بتلميح ولا تُقلَّل بسخرية.
وحين يُذكر إسم مجدي الجلاد في هذا السياق، فالأمر لا يحتاج إلى كثير شرح. يكفي أن الرئيس الأسبق الراحل محمد حسني مبارك وافق على حوار صحفي جريء معه، في مرحله لم تكن فيها الجرأة رفاهية، ولا الأسئلة تُلقى بلا حساب. تلك ليست شهادة سلطة، بل شهادة مهنة؛ فالسلطة لا تجلس إلا مع من تحسب له حسابًا، ولا تفتح أبوابها إلا لمن يعرف وزن الكلمة.
وهنا يحق السؤال بسخرية مشروعة لا سبّ فيها ولا قذف: ما تاريخك أنت يا «باز أفندي» في بلاط صاحبة الجلالة؟ بأي رصيد مهني تُوزّع صكوك النضال، وتحدّد مواعيد الوطنية، وتقلّل من تجارب راسخة؟ وأنت، بحكم الواقع المهني، ما زلت محفورًا داخل خانة الانتساب، مكتوبًا بقلم رصاص، تمامًا كالمعيّنين حديثًا، قابلًا للمحو والتعديل؟
المسألة هنا ليست شخصنة، بل معايير، من لم يكتمل مساره المهني، لا يملك رفاهية التنصيب قاضيًا على مسارات الآخرين. ومن لم يدفع الفاتورة كاملة، لا يحق له محاسبة من دفعها مضاعفة،والأدهى أن يتحول هذا الخلل إلى خطاب مشحون بالحقد والغل، متخفّيًا خلف ستار الغيرة على الوطن.
الحقد، حين يتكلم كثيرًا، يفضح نفسه، والغل، حين يرتدي قناع النقد، يسقط عند أول اختبار، لا أحد يملك حق مصادرة وطنية أحد، ولا يحق لأحد أن يحدد سنًّا صالحًا للنضال .. فالصحافة في جوهرها، ليست سباق توقيت، ولا مسابقة أعمار، بل مهنة موقف، ومهنة إنسانية قبل أي شيء.
ومن يعرف معنى الإنسانية في الصحافة، يعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن السخرية حين تُستخدم لتقليل الآخرين، لا ترفع صاحبها. لذلك، ربما كان الأجدر بـ«باز أفندي» أن يلتزم حدوده، ويعرف قدره، ويتحدث بقدر ما يحتمل تاريخه. فالتاريخ لا يُكتب بقلم رصاص، ولا يُمحى بتعريض، ولا يعترف إلا بمن عاش المعنى ودفع الثمن.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة — مهما علا الضجيج — ثابتة: النضال لا يُقاس بالعمر، والوطنية لا تُؤجَّل، والتعريض لا يصنع تاريخًا. أمّا التاريخ، فله ذاكرة عنيدة… لا تخطئ بين من كتبوا بمداد التجربة، ومن اكتفوا بالكتابة على الهامش.