مصطفى صلاح يكتب: من يحمى ملامح الناس؟ قراءة فى موقف المنتج جمال العدل

ليست الدراما ترفًا بصريًا يُستهلك في أمسيات الفراغ، بل هي في جوهرها العميق تعبيرٌ عن شخصية الأمة، وانعكاسٌ لتركيبها الحضاري والنفسي والاجتماعي. ومن ثمّ، فإن أي خللٍ يصيب صورتها لا يُعدّ خللًا فنيًا فحسب، بل اضطرابًا في تمثيل الذات الجمعية.
في هذا السياق تكتسب تصريحات المنتج الكبير جمال العدل أهميتها، حين أقرّ بأن غضب الرئيس عبد الفتاح السيسي من بعض الأعمال الدرامية «في محلّه»، وأن ما يُقدَّم أحيانًا تحت لافتة «الدراما الشعبية» لا يمتّ إلى الواقع الشعبي بصلة.
القضية هنا ليست موقفًا عابرًا من مسلسل أو اثنين، بل هي مسألة «صورة مصر» كما تُرسم في وعي أبنائها ووعي الآخرين.
فالمجتمع المصري في بنيته التاريخية ليس كتلةً صاخبة من الفجاجة، ولا نسيجًا من الشتائم والانفعالات المبتذلة، كما توحي بعض الأعمال، إنه مجتمعٌ تراكمي، تشكّل عبر قرونٍ من التفاعل بين الريف والمدينة، بين النهر والصحراء، بين الفقر المادي والثراء الروحي، والطبقات الشعبية، التي يُساء تمثيلها اليوم في بعض النصوص، هي في الحقيقة خزّان القيم الحقيقية: التضامن، الحيلة المشروعة، الصبر، والسخرية الذكية التي تخفف وطأة العيش.
حين يؤكد العدل، في حديثه عبر برنامج" أسرار"، أن «الطبقات الشعبية لا تتكلم هكذا ولا تتصرف هكذا»، فإنه يضع إصبعه على خللٍ منهجي: اختزال المجتمع في كاريكاتور.. الكاريكاتور قد يضحك لحظة، لكنه يرسّخ صورةً زائفة تدوم طويلًا، والخطر هنا مضاعف؛ لأن الدراما ليست مجرد مرآة، بل أداة تشكيل وعي، وما يُقدَّم بوصفه «واقعيًا» يتسلل، مع التكرار، إلى الوجدان العام بوصفه حقيقة.
لقد اعتادت بعض الإنتاجات أن تلهث وراء «الترند»، متصورةً أن رفع منسوب الصخب يساوي رفع منسوب التأثير. غير أن التأثير الحقيقي لا يُقاس بكمّ المشاهدات، بل بعمق الأثر.. إن العمل الذي يثير ضجيجًا اليوم قد يُنسى غدًا، أما العمل الذي يلامس جوهر الشخصية المصرية فيبقى، لأنه يتكئ على أرضٍ صلبة من الصدق الاجتماعي.
من هنا، فإن تأييد العدل لموقف الرئيس ليس اصطفافًا سياسيًا بقدر ما هو دفاعٌ عن معيار، فالدولة بوصفها التعبير المؤسسي عن الجماعة من حقها أن تقلق حين ترى صورتها الثقافية تُشوَّه. والفن، وإن كان مستقلًا في أدواته، ليس منفصلًا عن محيطه الأخلاقي والاجتماعي. إن الحرية الفنية لا تعني القطيعة مع المسؤولية، بل تعني وعيًا أعمق بها.
غير أن تصريحات العدل لم تقف عند حدود المحتوى، بل امتدت إلى بنية الصناعة ذاتها، حين شدد على أن كلمة الإنتاج يجب أن تكون هي الحاكمة داخل العمل، وأنه «لا يوجد فنان تعلو كلمته على كلمة المنتج».
هذه النقطة تكشف بعدًا آخر للأزمة: اختلال التوازن المؤسسي، فالدراما، في النهاية، صناعة مركبة، تتداخل فيها عناصر الإبداع مع عناصر الإدارة والتمويل. وإذا تحولت إلى ساحة نفوذ شخصي، ضاع المشروع الكلي، وتحوّل العمل إلى تجميعٍ اعتباطي لرغبات متنافرة.
إن الصناعة التي لا يحكمها نظام واضح تُنتج فنًا مرتبكًا، والنجم، مهما بلغ حضوره، يظل جزءًا من منظومة، لا مركزًا منفردًا لها. حديث العدل هنا يعيد الاعتبار لفكرة «المؤسسة» في مواجهة الفردية المتضخمة ،فالفن العظيم لا يصنعه فردٌ معزول، بل شبكة متكاملة من الأدوار المنضبطة..
حتى اللمحة الطريفة التي أطلقها ردًا على سؤال الإعلامية أميرة بدر ،حين قال إنه قد يحتاج «أربع أو خمس سنوات» ليعدّ أمواله يمكن قراءتها في سياق أوسع: رجل خبر السوق، وعرف قوانينه، ويدرك أن النجاح الاقتصادي في هذه الصناعة ليس وليد المصادفة، بل حصيلة رؤية واستمرارية. غير أن القيمة الحقيقية لتصريحاته لا تكمن في طرافته، بل في جرأته على الإعتراف بوجود أزمة.
إن مصر، بحكم ثقلها السكاني والثقافي، لا تحتمل صورةً سطحية عن ذاتها، فهي ليست مجرد خلفية لأحداث صاخبة، بل كيان حضاري متماسك، تتشابك فيه التقاليد مع الحداثة. والدراما، بوصفها أحد أهم أدوات التعبير المعاصر، مطالبة بأن ترتقي إلى مستوى هذا الكيان، لا أن تهبط به إلى قاع الاستسهال.
الإشادة برأي جمال العدل هنا ليست مجاملةً لشخصه، بل انحيازٌ إلى منطقٍ يحترم المجتمع ويصون صورته. فحين يطالب بواقعيةٍ غير مبتذلة، وبنظامٍ إنتاجي منضبط، فإنه يدعو ضمنيًا إلى إعادة تعريف معنى «النجاح» في الدراما: أن يكون النجاح في الصدق قبل الإثارة، وفي البناء قبل الضجيج.
إن اللحظة الراهنة تفرض مراجعة شاملة، لا بهدف التضييق، بل بهدف التصحيح. والدراما المصرية، بتاريخها الطويل، قادرة على أن تستعيد توازنها، إذا ما استحضرت شخصيتها الحقيقية، وابتعدت عن إغراء الصورة السريعة. وفي هذا السياق، تبدو كلمات جمال العدل أشبه بإشارة تنبيهٍ ضرورية: أن الفن، إذا انفصل عن مجتمعه، فقد روحه؛ وإذا عاد إليه بصدق، استعاد مجده.

