الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: الدكتور محسوب يكن..سيرة مسؤول إختار طريق الشارع قبل المكتب

-

في المدن العتيقة، تلك التي تراكمت فوق أرضها طبقات من الحكايات والوجوه والوقائع، لا تُقاس قيمة المسؤول بما يُكتب في التقارير ولا بما يُقال في الاجتماعات، بل بما يتركه من أثر في الشوارع الضيقة، وفي الأرصفة التي تمسّها أقدام الناس كل صباح. فهناك، حيث الحياة تمضي في صخبها المعتاد، يُختبر معنى الإدارة، ويُعرف صدق الجهد من زيف الادعاء.
وفي حيّ البساتين، أحد أحياء القاهرة التي تعيش على إيقاع كثافة البشر وتشابك التفاصيل اليومية، تبرز تجربة الدكتور محسوب يكن، رئيس الحي، بوصفها تجربة تقوم على فكرة الجهد المتواصل، وكأن الرجل أدرك منذ اللحظة الأولى أن إدارة المكان ليست مقامًا للجلوس خلف المكاتب، بل سعيٌ دائم بين الطرقات، ووقوف طويل عند هموم الناس.
الدكتور محسوب يكن، القادم من صعيد مصر، من أرض سوهاج التي تعلّم أبناءها صلابة العزم وقوة الاحتمال، جاء إلى حي البساتين حاملاً معه سيرة علمية وعملية متشابكة، وكأنها خيوط نسجت عبر سنوات من العمل داخل جهاز الإدارة المحلية في محافظة القاهرة.
فالرجل ليس مجرد مسؤول إداري تقليدي، بل صاحب خلفية علمية راسخة؛ إذ نال درجة الدكتوراه في الإدارة المحلية، وتبعها بالماجستير في القانون العام والعلوم الإدارية، فضلًا عن ليسانس الحقوق، وهذه الدرجات لم تكن مجرد ألقاب أكاديمية تُزيّن السيرة الذاتية، بل بدت كأنها أدوات فهمٍ أعمق لطبيعة العمل الإداري وتعقيداته.
غير أن العلم وحده لا يكفي لإدارة حيٍّ يعج بالحياة مثل البساتين، حيث تتشابك المصالح وتتعدد المشكلات، لذلك جاءت خبرة الدكتور محسوب يكن العملية لتكمل تلك الصورة، فقد عمل سكرتيرًا لحي غرب القاهرة، وهو موقع يضع صاحبه في قلب العمل التنفيذي، حيث تتقاطع القرارات مع واقع الشارع.
ثم انتقل إلى العمل باحثًا قانونيًا بالإدارة العامة للأملاك وحماية أملاك الدولة، وهي تجربة تقترب من صميم القانون وتفاصيله الدقيقة، قبل أن يعمل في مكتب نائب محافظ القاهرة للمنطقة الغربية، حيث تتسع دائرة الرؤية ويصبح العمل الإداري جزءًا من منظومة أوسع تدير شؤون العاصمة.
هكذا تراكمت الخبرات، كما تتراكم طبقات الزمن في المدن القديمة، حتى جاء يوم توليه رئاسة حي البساتين.

يومها لم يكن المنصب مجرد انتقال إداري من موقع إلى آخر، بل بداية فصل جديد في حكاية الجهد اليومي داخل حيٍ يعرف أهله صعوبة العيش وتحدياته.
ومنذ تلك اللحظة، بدا واضحًا أن الرجل اختار طريق الميدان قبل طريق المكتب، فالمتابع لحركة العمل داخل الحي يلحظ أن الجولات الميدانية أصبحت جزءًا من نسيج الإدارة اليومية. كأن رئيس الحي آثر أن يرى بعينه ما يحدث في الشوارع بدل أن يكتفي بما ترويه الأوراق.
في الصباحات الأولى، حين تبدأ المدينة في استعادة صخبها، يمكن أن تجده بين العمال والموظفين يتابع حملات رفع الإشغالات، وفي المساءات التي يهدأ فيها الضجيج قليلًا، يواصل جولاته بين الطرقات ليتفقد أحوال الشوارع ويقف على تفاصيل العمل.
ذلك الحضور المستمر في الميدان لا يهدف إلى المشهدية بقدر ما يعكس قناعة بأن الإدارة المحلية، في جوهرها، علاقة مباشرة بين المسؤول والمكان الذي يديره. فكل شارع يحمل حكاية، وكل رصيف يخفي مشكلة، ولا سبيل إلى فهمها إلا بالسير بين الناس.
ومن بين الملفات الثقيلة التي تقع على عاتق رؤساء الأحياء، يبرز ملف التصالح في مخالفات البناء باعتباره أحد أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا. وهو ملف لا يتعلق بالأوراق وحدها، بل بحياة آلاف المواطنين الذين يسعون إلى تقنين أوضاعهم القانونية.
وقد وضع الدكتور محسوب يكن هذا الملف ضمن أولويات العمل داخل الحي، إدراكًا لأهميته في تنظيم الوضع العمراني وإعادة التوازن بين القانون والواقع ،ومن هنا جاءت المتابعة المستمرة لسير العمل داخل المركز التكنولوجي، الذي أصبح حلقة الوصل بين المواطن والإدارة.
هناك، في تلك القاعات التي تتكدس فيها الملفات والطلبات، تتجسد صورة الإدارة الحديثة التي تسعى إلى تسهيل الإجراءات وتقليل المسافات بين المواطن والخدمة التي يحتاجها. ولذلك حرصت إدارة الحي على متابعة فحص الطلبات المقدمة وفقًا للقوانين المنظمة لذلك.
كما يجري العمل على توضيح الإجراءات المطلوبة للمواطنين، حتى لا يبقى القانون غامضًا في أعينهم، بل يصبح طريقًا واضح المعالم نحو تقنين أوضاعهم. فالقانون، مهما بلغت دقته، يحتاج دائمًا إلى من يفسره بلغة مفهومة للناس.
وفي هذا السياق، دعا رئيس حي البساتين المواطنين الذين سبق لهم التقدم بطلبات تصالح وفقًا لقانون عام 2019 وسددوا رسوم جدية التصالح، إلى استكمال الإجراءات داخل المركز التكنولوجي، خاصة الحاصلين على نموذج رقم 3، وذلك وفقًا لما نص عليه القانون رقم 187 لسنة 2023 الخاص بتنظيم التصالح في مخالفات البناء.
كما وجّه دعوة إلى المواطنين الذين لم يتقدموا بطلبات تصالح من قبل إلى سرعة اتخاذ الخطوات اللازمة لتقنين أوضاعهم، من خلال الحصول على شهادة البيانات والبدء في الإجراءات القانونية المطلوبة، حتى لا يجدوا أنفسهم لاحقًا أمام إجراءات قانونية أكثر تعقيدًا.
وهكذا تمضي تجربة العمل داخل حي البساتين، بين جهد يومي لا يتوقف ومسؤولية تتجدد مع كل صباح. فالإدارة المحلية، في حقيقتها، ليست منصبًا يُحمل كوسام، بل عبء ثقيل يحتاج إلى صبرٍ طويل وإرادة لا تفتر.
وفي قلب هذه الحكاية يقف الدكتور محسوب يكن، رجلٌ اختار أن يجعل الجهد لغته الأولى في إدارة المكان، وأن يكتب سيرة عمله في الشوارع قبل أن تُكتب في السجلات.. فربما كان سر الإدارة الناجحة، كما تقول حكايات المدن القديمة، أن يعرف المسؤول طريقه إلى الناس قبل أن يعرف طريقه إلى مكتبه.