خليل ياسين الأشقر يكتب..لبنان… وطنٌ لا يُغادِر القلب، والجنوبيُّ حارسُ ترابه رغم الألم

في خضمّ العواصف التي تعصف بـ لبنان، وتحت وطأة الحرب التي تشنّها إسرائيل، تتجلّى صورة الوطن ليس كجغرافيا فحسب، بل كقضيةٍ حيّة تسكن وجدان أبنائه، وتنبض في تفاصيل حياتهم اليومية. وطنٌ قد يُرهَق، وقد يُجرَح، لكنّه لا يسقط من قلوب أهله، ولا يغيب عن ضمائرهم مهما اشتدّت المحن.
في الجنوب، حيث الأرض ليست مجرد تراب، بل تاريخٌ من الصمود والتضحيات، يقف المواطن الجنوبي ثابتاً كجذور الزيتون، متشبّثاً بأرضه، مدافعاً عنها بكل ما أوتي من إمكانيات، ولو كانت بسيطة. هو لا يرى في الدفاع خياراً، بل واجباً مقدّساً، لأن الأرض بالنسبة له هي العرض، وهي الهوية، وهي الحكاية التي لا تُروى إلا بالصبر والثبات.
ومع اشتداد الحرب، تتكشّف معاناة النزوح القسري، حيث يُجبر المواطن على ترك بيته، ذكرياته، وصوته في زوايا المكان. يُقتلع من حضنه الدافئ، ويُلقى في غربةٍ داخل وطنه، يتجرّع مرارة الفقد، ويكابد قسوة الانتظار.
ليس النزوح مجرّد انتقالٍ من مكانٍ إلى آخر، بل هو انكسارٌ داخليّ، وامتحانٌ قاسٍ للكرامة الإنسانية، حيث يشعر المواطن أحياناً بثقل الذلّ، وبوجع العجز أمام مشهد الدمار.
ورغم ذلك، لا ينكسر الجنوبي. يحمل وطنه في قلبه أينما ذهب، ويحوّل غربته المؤقتة إلى مساحة أمل، مؤمناً بأن العودة ليست حلماً بعيداً، بل وعدٌ قريب. يعلّم أبناءه أن الأرض لا تُنسى، وأن البيوت تُعاد بناؤها، لكن الكرامة لا تُشترى، والانتماء لا يُساوَم عليه.
إنّ ما يعيشه الجنوبي اليوم هو صفحة جديدة من تاريخ الصمود اللبناني، حيث يمتزج الألم بالإرادة، والدمعة بالأمل. وفي كل خيمة نزوح، وفي كل بيتٍ مهدّم، تنبض حكاية إنسانٍ لم يتخلَّ عن وطنه، بل ازداد تمسّكاً به، وكأنّ المعاناة زادت جذوره عمقاً في هذه الأرض الطيبة.
ختاماً، يبقى لبنان أكبر من جراحه، وأبقى من أزماته، لأن فيه شعباً لا يعرف الاستسلام. شعبٌ يؤمن أنّ بعد كلّ ليلٍ فجر، وأنّ الوطن، مهما ابتعدنا عنه قسراً، يبقى فينا… يسكننا، ونحيا به، ونعود إليه.

