الموجز اليوم
الموجز اليوم

هشام الشحات يكتب: لبنان على حافة التصدع ..كيف تعمق حرب ”حزب الله ” وإسرائيل الانقسام الداخلى؟

-

لم تعد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل مجرّد جولة عسكرية جديدة على الحدود الجنوبية، بل تحوّلت إلى اختبار وجودي للبنان كدولة هشّة تعاني أصلًا من أزمات متراكمة،فالحرب لا تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل بقدرتها على إعادة إنتاج الانقسامات الداخلية، وتفجير التناقضات الكامنة في البنية السياسية والطائفية للبلاد.

منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990، ظلّ لبنان قائمًا على توازن دقيق بين مكوّناته، توازن تحكمه التسويات أكثر مما تضبطه مؤسسات الدولة، لكن الحرب الحالية تهدّد هذا التوازن، إذ تعيد طرح السؤال الجوهري: من يملك قرار الحرب والسلم؟ الدولة أم الفاعلون المسلّحون خارجها؟.

في هذا السياق، تبدو معادلة حزب الله أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، فالحزب، الذي يقدّم نفسه كقوة مقاومة، يجد نفسه في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين طرفًا يجرّ البلاد إلى صراعات إقليمية لا طاقة لها بها، خاصة مع ارتباطه الوثيق بإيران.. هذا الانقسام في النظرة إلى الحزب يعمّق الشرخ الداخلي، ويحوّل أي تصعيد عسكري إلى أزمة سياسية داخلية مفتوحة.

على الأرض، لا تقتصر تداعيات الحرب على الجنوب، بل تمتد إلى الداخل اللبناني عبر موجات النزوح، انتقال آلاف العائلات، معظمها من البيئة الحاضنة لحزب الله، إلى مناطق ذات تركيبة طائفية مختلفة، يعيد إحياء حساسيات تاريخية لم تُطوَ بعد،ومع ضعف الدولة وعجزها عن إدارة الأزمة، تتحول هذه التحركات السكانية إلى مصدر احتكاك وتوتر، بدل أن تكون ملفًا إنسانيًا بحتًا.

اقتصاديًا، تأتي الحرب لتضيف طبقة جديدة من الانهيار، بلد يعاني أصلًا من واحدة من أسوأ الأزمات المالية في العالم، لا يمكنه تحمّل كلفة حرب مفتوحة.. البنية التحتية المتهالكة، وانهيار العملة، وغياب الاستثمارات، كلها عوامل تجعل أي تصعيد عسكري بمثابة ضربة قاصمة لما تبقى من الاقتصاد اللبناني.

إقليميًا، لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن الصراع الأوسع بين إيران وإسرائيل. فلبنان هنا ليس سوى ساحة من ساحات الاشتباك غير المباشر، ما يضعه في موقع المتلقّي للارتدادات دون أن يمتلك القدرة على التحكم بمسارها، وهذا ما يفسّر المخاوف المتزايدة من تحوّل الجنوب إلى منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع، بما يحمله ذلك من تداعيات سيادية، وديموغرافية.في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية شبه غائبة عن المشهد.

التصريحات الرسمية الداعية إلى التهدئة أو الحوار لا تجد طريقها إلى التنفيذ، في ظل اختلال ميزان القوة الداخلي. ومع كل يوم تستمر فيه الحرب، يتآكل ما تبقى من هيبة الدولة، ويترسّخ منطق “تعدّد مراكز القرار”.
خلاصة المشهد أن لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما الانزلاق نحو مزيد من التفكك الداخلي تحت ضغط الحرب، أو استغلال اللحظة لإعادة طرح سؤال الدولة وسيادتها بشكل جذري. لكن المؤشرات الحالية لا توحي بأن هذا التحول ممكن في المدى القريب، ما يعني أن البلاد مرشّحة للبقاء في دائرة الخطر، حيث لا حرب تحسم، ولا سلام يُبنى.

وفي ظل هذا الواقع، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أن الخاسر الأكبر ليس طرفًا سياسيًا بعينه، بل المجتمع اللبناني بأكمله، الذي يجد نفسه مرة أخرى رهينة لصراعات تتجاوز حدوده، وتُرسم ملامحها خارج أرضه.