الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: إلهام شاهين..دمعة فنانة تختصر وجع وطن

-

حين تتكاثر الجراح كأنها قدرٌ لا يهدأ، يصبح الحزن لغةً تتقنها القلوب دون أن تتعلمها، وتغدو الدموع حروفًا صادقة لا تعرف الزيف. هكذا أطلت إلهام شاهين، لا كفنانةٍ اعتادت الضوء، بل كروحٍ أنهكها الأسى، وانحنى في عينيها الضوء حتى كاد ينطفئ، وهي تحدّق في لبنان… ذلك الجرح المفتوح على اتساع الوجع.
لم يكن المشهد صورةً عابرة تُطوى مع مرور الوقت، بل كان كأن الزمن نفسه توقّف عند لحظةٍ مثقلة بالانكسار. كلماتها لم تخرج من الشفاه، بل تسلّلت من شقوق القلب، من أماكن لا يصلها الضوء، حيث يقيم الألم طويلًا دون أن يجد مخرجًا «قلبي مع لبنان»… لم تكن جملة، بل كانت انكسارًا ناعمًا، قطعةً من روحٍ تتهاوى، تُلقى على أبواب وطنٍ يئنّ، كأنها تحاول أن تُسند ما لا يُسند، وأن تضمّد ما لا يُرى.

في عينيها، كانت الدموع أكثر فصاحةً من أي بيان، وأكثر صدقًا من كل الكلمات.. دموعٌ لم تسقط فقط، بل حملت معها حكاياتٍ ثقيلة، صورًا لأمهاتٍ يفتشن في الفراغ عن وجوهٍ غابت، وأصواتًا خافتة تنادي من بين الركام، وقلوبًا تكسّرت ولم تجد من يجمع شتاتها.. كانت تلك الدموع مرآةً لوطنٍ يتهاوى ببطء، لكنه لا يزال يقاوم، لا يزال يتشبث بخيطٍ رفيع من الحياة.

لبنان… الإسم الذي كان يُشبه أغنيةً تُزهر في الذاكرة، صار الآن نشيدًا حزينًا تُنشد حروفه الرياح. بلدٌ كان يزرع الفرح في قلوب الآخرين، فإذا به يغرق في صمتٍ ثقيل، كأن الحزن جلس على أعتابه ورفض أن يغاد،. هناك، تختلط رائحة الدخان بذكريات البيوت، وتتجاور الدموع مع بقايا الضحكات، ويصير الليل أطول من احتماله.

وفي قلب هذا المشهد، لم تكن إلهام شاهين شاهدةً من بعيد، بل كانت جزءًا من الحكاية. اقتربت من الألم حتى التصق بروحها، حتى صار وجعًا خاصًا بها، لا مجرد تعاطفٍ عابر. لم تحتمِ بكلماتٍ منمقة، ولم تُخفِ ارتعاش صوتها خلف قناع القوة، بل تركت نفسها تنكسر كما ينكسر كل شيءٍ صادق، وفي هذا الانكسار، كانت هناك شجاعةٌ نادرة… شجاعة أن تكون إنسانًا كاملًا في لحظةٍ لا تحتمل إلا الصمت.

الفن، أمام هذا الألم، لم يعد ترفًا ولا مشهدًا يُستهلك، بل صار نبضًا حيًا، لغةً خفيةً تتسلل إلى القلوب دون استئذان. حين تبكي الفنانة، فإنها لا تبكي وحدها، بل تفتح أبواب البكاء لكل من ضاق به الحزن، تمنحه إذنًا بأن يترك دموعه تنهمر دون خجل، بأن يعترف أن في داخله شيئًا انكسر ولا يُجبر بسهولة.

كانت كلماتها أقرب إلى دعاءٍ يتيم، يرتفع ببطء نحو السماء، مثقلًا برجاءٍ خافت. دعاءٌ يمرّ على أرواح الشهداء كنسمة رحمة، ويجلس بجوار القلوب المكسورة كيدٍ حانية، ويهمس للجراح: اصبري… فالله يرى ما لا يُرى، ويسمع ما تعجز عنه الأصوات. وكأنها كانت تُدرك أن بعض الأحزان لا يخففها إلا لطفٌ خفيّ، يأتي من حيث لا ندري، فيربّت على الروح دون أن يُحدث ضجيجًا.

أمام هذا الحزن، تتساقط المسميات، فلا يعود هناك فنان أو جمهور، ولا شهرة أو مسافة.. يبقى الإنسان فقط… عاريًا من كل شيء إلا إحساسه، يبحث في قلبٍ آخر عن بعض الدفء، عن لحظة طمأنينة وسط هذا الركام العاطفي، وهذا ما جعل كلماتها تصل، لا لأنها قيلت، بل لأنها شعرت، لأن الصدق حين يولد من الألم، لا يحتاج إلى طريقٍ ليصل، بل يجد طريقه بنفسه.

لبنان لم يعد خبرًا يُقرأ، بل صار وجعًا يُعاش، يسكن في تفاصيل الروح دون استئذان. وكل دمعةٍ سالت من أجله، كانت شهادة حب، وكل كلمةٍ قيلت له، كانت محاولةً يائسة لاحتواء ما لا يُحتوى. وربما لا تغيّر الكلمات مجرى الحكاية، لكنها تمنح القلوب شعورًا خافتًا بأنها ليست وحدها، بأن هناك من يراها، من يشعر بها، من يشاركها هذا الثقل الذي لا يُحتمل.
وهكذا، بين دموعٍ انكسرت في عين فنانة، ووجعٍ استقر في صدر وطن، تتجلّى الإنسانية في أنقى صورها.. إنسانية لا تتكلم كثيرًا، لكنها تشعر بعمق، وتحب بصمت، وتبكي حين يعجز الكلام عن حمل هذا الحزن.

وفي النهاية، يظل الأمل واقفًا على حافة الانكسار، كشمعةٍ ترتجف في وجه الريح، لكنها لا تنطفئ. يظل هناك ضوءٌ خافت، يختبئ في قلب الظلام، ينتظر لحظةً ليمتد، وربما كانت تلك الدموع، في جوهرها، ليست فقط بكاءً على ما حدث، بل وعدًا صامتًا بأن القلب، مهما أثقله الحزن، سيظل قادرًا على أن ينبض… وأن يحب… وأن يمدّ يده لكل وجعٍ يشبهه.