الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: سيد العديسى..رحيل الوجه الباسل وصوت النبل الهادئ فى الصحافة والثقافة

-

رحل الكاتب الصحفي والشاعر سيد العديسي، لكن حضوره لم يرحل من القلوب التي عرفته، ولا من الذاكرة التي احتفظت له بصورة إنسانٍ مختلف، جمع بين نُبل الأخلاق وهدوء الروح وصدق الكلمة.. كان من أولئك الذين لا يفرضون أنفسهم على المكان، بل يتركون أثرهم فيه بهدوء، كأنهم يمرّون في حياة الآخرين بخفة الضوء لا بثقل الضجيج.
عرفه زملاؤه أول ما عرفوه بوجهٍ باسل لا يعرف التكلف، وابتسامةٍ بسيطة تحمل قدرًا كبيرًا من الطمأنينة، كان حضوره في الوسط الصحفي والثقافي حضورًا إنسانيًا قبل أن يكون مهنيًا؛ لا يرفع صوته في خلاف، ولا يسعى إلى تصدر المشهد، لكنه حين يتحدث يصمت الجميع احترامًا لما يقوله، لا لعلو صوته، بل لصدق نبرته.
كان سيد العديسي مثالًا للكاتب الذي لا ينفصل عن أخلاقه وهو يكتب، نُبلُه لم يكن شعارًا يُقال، بل سلوكًا يوميًا يظهر في تعامله مع زملائه، في احترامه للكلمة، وفي حرصه على ألا يجرح أحدًا حتى وهو يختلف.. كثيرون وصفوه بأنه «رجلٌ إذا مرّ ترك أثر طيب لا يُنسى»، وهذا الأثر لم يكن في كتاباته فقط، بل في تفاصيله الصغيرة: في طريقة إنصاته، في تواضعه، وفي حرصه الدائم على دعم من حوله دون انتظار مقابل.
في العمل الصحفي، كان من أولئك الذين يقدسون المهنة بمعناها الحقيقي، لم يرَ الصحافة وسيلة للشهرة، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية، كان يقترب من الناس بعين الرحمة قبل عين التحليل، ويكتب عنهم وكأنه يحمل عنهم جزءًا من الحمل. لذلك جاءت مقالاته محمّلة بصدقٍ نادر، يلمسه القارئ حتى لو اختلف مع الرأي.
أما في محيطه الثقافي، فقد كان يُعرف بالهدوء العميق، ذلك الهدوء الذي لا يعني الانسحاب، بل يعني النضج، كان يجلس بين الأدباء والشعراء وكأنه حلقة وصل بين العقول والقلوب، لا يسعى للجدال بقدر ما يسعى للفهم وإذا اشتد النقاش، كان صوته يأتي كمساحة تهدئة، لا كطرف في صراع.

ومن الصفات التي لا تُنسى في سيرته، تلك الطيبة الصافية التي كانت واضحة في كل من تعامل معه، لم يكن يحمل في قلبه ضغينة، وكان سريع الصفح، واسع الصدر، يرى في الناس ما هو أجمل حتى حين يخطئون، وهذه الطيبة لم تكن سذاجة كما قد يظن البعض، بل كانت اختيارًا واعيًا لإنسان قرر أن يعيش بقلبٍ لا يُثقل نفسه بالكراهية.
وربما لهذا السبب، أحبه زملاؤه بهذا الشكل العميق، لم يكن مجرد زميل عمل، بل كان صديقًا حقيقيًا، يُلجأ إليه وقت الضيق، ويُستأنس برأيه وقت الحيرة، كثيرون من الوسط الصحفي والثقافي تحدثوا بعد رحيله عن تلك اللحظات التي كان فيها سندًا هادئًا دون ضجيج، حاضرًا دون استعراض، قريبًا دون فرض.
رحيله كان صادمًا لهذا الوسط الذي اعتاد حضوره الإنساني قبل حضوره المهني.. خيم الحزن على الصحفيين والكتّاب الذين عرفوه، لا فقط لفقدان قلمه، بل لفقدان تلك الروح التي كانت تضيف توازنًا جميلًا للمكان، تحولت الأحاديث في اليوم التالي لرحيله إلى ذكريات: موقف هنا، كلمة هناك، نصيحة في لحظة صعبة، ابتسامة في وقت توتر، وكأن كل من عرفه اكتشف أنه كان يملك منه جزءًا صغيرًا لم ينتبه إليه إلا بعد الغياب.
في مجالس الثقافة، بدا الحزن مختلفًا؛ هادئًا لكنه عميق. لم يكن صاخبًا، لكنه كان ممتدًا في النظرات والسكوت الطويل. البعض قال إن الوسط فقد صوتًا كان يكتب بضمير، وآخرون قالوا إنهم فقدوا إنسانًا كان يذكّرهم دائمًا بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون فنًا.
ورغم رحيله، فإن ما يخفف ثقل الفقد قليلًا هو أن سيرة سيد العديسي لم تكن مجرد سيرة مهنية، بل سيرة إنسانية متكاملة. وجهه الباسل، أخلاقه العالية، طيبته التي لم تتغير، وحرصه على أن يبقى محترمًا في كل موقف، كل ذلك جعل حضوره يتجاوز حدود الزمن.
اليوم، يُذكر اسمه لا كخبر وفاة، بل كحضور لا يغيب، ككاتبٍ عاش بشرف الكلمة، وكإنسانٍ مرّ في حياة الآخرين وترك فيها ما هو أجمل من أن يُنسى، وسيبقى بين زملائه وتلاميذه ومحبيه ذلك النموذج الهادئ للكاتب النبيل، الذي حين يرحل، لا يترك فراغًا فقط، بل يترك درسًا في كيف يكون الإنسان إنسانًا قبل أن يكون أي شيء آخر.