الموجز اليوم
الموجز اليوم

عبدالحى عطوان يكتب : بين هيبة الدولة ووجع الناس.. هل يحتاج ملف الإزالات إلى مراجعة أكثر عدالة؟

-

لا أحد يختلف على أهمية فرض هيبة الدولة، ولا أحد يرفض مواجهة التعديات والمخالفات التي شوهت العمران وأهدرت حقوقًا كثيرة عبر سنوات طويلة. فالدولة التي لا تطبق القانون، تفتح الباب للفوضى، وتفقد قدرتها على حماية مقدراتها ومستقبل أجيالها.

لكن في المقابل، يبقى السؤال الأهم: هل تطبيق القانون يعني أن نتعامل مع جميع الحالات بالمنطق نفسه، دون النظر إلى التفاصيل والظروف والنتائج؟

ملف الإزالات تحديدًا أصبح من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، لأنه لا يتعلق بالحجر فقط، بل يمتد إلى البشر، إلى أسر كاملة قد تجد نفسها فجأة بلا مأوى أو بلا مصدر أمان، بعدما أنفقت كل ما تملك في بناء منزل أو مساحة صغيرة تؤوي أبناءها. وهنا تظهر الحاجة إلى التوازن الحقيقي بين قوة الدولة وعدالتها، بين الردع والرحمة، بين تطبيق القانون وفهم الواقع.

ليس من المنطقي أن توضع جميع المخالفات في سلة واحدة. فهناك فرق بين من استولى على أراضي الدولة بغرض التجارة والربح، وبين مواطن بسيط بنى غرفة أو منزلًا في ظل غياب رقابة حقيقية أو تضارب قرارات أو تراخٍ إداري استمر لسنوات. وهناك فرق بين مخالفة تشكل خطرًا حقيقيًا على التخطيط والمرافق وحقوق الآخرين، وأخرى يمكن تقنينها أو تسويتها دون أي ضرر يُذكر على المصلحة العامة.

الأهم من ذلك أن الإزالة في بعض الحالات لا تعيد الأرض إلى طبيعتها أصلًا، بل تترك خلفها خرابًا اجتماعيًا وإنسانيًا أكبر من حجم المخالفة نفسها. لذلك فإن الحكمة تقتضي دراسة كل حالة على حدة، والنظر إلى نوع المخالفة، وموقعها، ومدى خطورتها، وحجم الضرر الناتج عن الإزالة مقارنة بالعائد الحقيقي منها.

كما أن العدالة لا تكتمل إذا تمت محاسبة المواطن وحده، بينما يغيب السؤال عن كل من سمح بحدوث المخالفة من البداية. أين كانت الرقابة؟ وكيف استمرت بعض الأعمال المخالفة لسنوات دون تدخل؟ ومن الذي تقاعس أو تغاضى أو سمح بالأمر الواقع حتى تفاقمت الأزمة؟ إن محاسبة الحلقة الأضعف فقط لا تصنع عدالة حقيقية، بل تخلق شعورًا بالمرارة وفقدان الثقة.

والخلاصة ..الدولة القوية ليست فقط تلك التي تزيل وتنفذ، بل التي تمتلك القدرة على التفريق بين المتحايل والمحتاج، بين الجريمة الحقيقية والخطأ الذي يمكن إصلاحه، وبين من استغل القانون ومن ضاع بين تعقيدات الواقع. فالقانون وُضع لتحقيق العدالة، وليس لإيقاع الأذى أو تعميق الأزمات.

وفى النهاية ..يبقى الحل الأفضل هو فتح مسارات قانونية واضحة وعادلة للتقنين متى أمكن، مع الحزم الكامل تجاه التعديات الجسيمة والمتعمدة، حتى يتحقق التوازن المطلوب: هيبة دولة محفوظة، ومواطن يشعر أن العدالة لا تزال ترى الإنسان قبل الأوراق.