الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: مها سليم..منطق الصناعة الدرامية بين الوعى والهوية

-

في كل مجتمع يمتلك قدرة على إنتاج صورته الثقافية، لا يكون الفن مجرد ترف جمالي أو نشاط ترفيهي، بل يصبح جزءًا من بنية الوعي الجمعي، ومرآة غير مباشرة لملامح الناس، وتاريخهم الاجتماعي، وتناقضاتهم اليومية.

وفي السياق المصري، حيث تتداخل الطبقات الإجتماعية وتتقاطع التحولات الاقتصادية والثقافية، تكتسب الدراما التلفزيونية دورًا أشبه بالخريطة غير المرسومة للوجدان العام. ومن هنا، يمكن فهم موقع مها سليم بوصفها فاعلًا داخل هذه الخريطة، لا مجرد اسم في قائمة إنتاج.

إن ما يلفت الإنتباه في تجربتها ليس كثرة الأعمال، بل طبيعة الإختيار ذاته، فثمة منتجين يتحركون وفق منطق السوق اللحظي، حيث تُقاس القيمة بعدد المشاهدات وسرعة الانتشار، بينما تتجه هي—بصورة أو بأخرى—إلى منطق مختلف، أقرب إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الدراما والمتلقي، باعتبارها علاقة وعي لا استهلاك فقط، هذا الفارق، وإن بدا دقيقًا، إلا أنه جوهري في فهم طبيعة التجربة.

لقد ارتبط إسمها بعدد من الأعمال التي شكّلت علامات في الدراما المصرية، مثل «مع سبق الإصرار» و«حكاية حياة» و«الخانكة» و«30 يوم» و«الرحلة» و«شبر مية». هذه الأعمال، على اختلاف موضوعاتها، لا يمكن قراءتها خارج سياق اجتماعي مضطرب، يتغير بسرعة تفوق قدرة الكثير من المؤسسات الثقافية على الاستيعاب. وهنا تتجلى أهمية الإنتاج بوصفه وسيطًا بين الواقع الخام وصيغته الفنية.

في هذه الأعمال، لا تُقدَّم الشخصيات باعتبارها نماذج مثالية أو شديدة التبسيط، بل ككائنات اجتماعية محكومة بشبكة معقدة من الدوافع والقيود، وهذه الرؤية، في جوهرها، تنتمي إلى فهم أعمق للإنسان داخل بيئته، لا الإنسان المنفصل عن شروطه التاريخية والاجتماعية، وهو ما يجعل الدراما هنا أقرب إلى قراءة اجتماعية منها إلى حكاية مسلية.

ثم جاءت تجربة «زي القمر» لتضيف بعدًا آخر، أكثر التصاقًا بالتفاصيل اليومية، حيث تتكثف الحكاية في مساحة زمنية قصيرة، لكنها تحمل شحنة دلالية مكثفة. وفي هذا السياق، تبرز المرأة ليس بوصفها موضوعًا دراميًا فحسب، بل باعتبارها مركزًا لتوترات اجتماعية متعددة، تتعلق بالهوية، والسلطة، والعلاقة مع المجتمع.
غير أن التحول الأوضح في مسيرتها الإنتاجية تجسد في مسلسل «نعمة الأفوكاتو» (2024)، الذي أخرجه محمد سامي، وقامت ببطولته مي عمر.. هنا يمكن الحديث عن نقطة التقاء بين الصناعة الجماهيرية والطرح الاجتماعي، حيث لم يعد الأمر مجرد سرد لحكاية فردية، بل إعادة صياغة لعلاقة الجمهور بالدراما نفسها. نجاح العمل لم يكن فقط في انتشاره، بل في قدرته على خلق حالة نقاش حول موضوعه.
وقد تُوّج هذا النجاح بحصوله على جائزة «Joy Awards» كأفضل مسلسل مصري عام 2025، وهو تكريم يعكس اعترافًا مؤسسيًا بقيمة التجربة، لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالًا أعمق: ما الذي يجعل عملًا دراميًا يتحول من منتج ترفيهي إلى حدث ثقافي؟ الإجابة هنا لا تتعلق بالجائزة بقدر ما تتعلق بالبنية الداخلية للعمل نفسه، وبقدرة المنتج على اختيار النصوص التي تمتلك قابلية البقاء.
إن دور مها سليم في هذا السياق لا يمكن اختزاله في الجانب التنفيذي للإنتاج، فالإنتاج في صورته المتقدمة، ليس مجرد إدارة موارد، بل هو تدخل واعٍ في تشكيل المعنى. إختيار النص، وتحديد إتجاه المعالجة، وبناء فريق العمل، كلها عناصر تؤثر في النتيجة النهائية بقدر ما يؤثر الإخراج أو الأداء التمثيلي، ومن هنا يمكن فهم موقعها بوصفها عنصرًا بنيويًا داخل العملية الدرامية.

ولا يمكن إغفال أن هذا المسار يقوم على قدر من الانضباط الداخلي، يتمثل في وضوح المعايير، والثبات على الاختيارات، ورفض التنازل عن الجودة لصالح الاستسهال، وهذا النوع من الصرامة المهنية، وإن بدا غير مرئي للمشاهد، إلا أنه يشكل الأساس الحقيقي لأي نجاح مستدام.

أما المشاريع المستقبلية، مثل مسلسل «مصطفى محمود» المقرر عرضه في رمضان 2027، فهي تشير إلى انتقال محتمل نحو مساحات أكثر تركيبًا، تجمع بين البعد الفكري والسرد الدرامي، وهو ما يعكس استمرار البحث عن صيغ جديدة للتعبير، لا تكتفي بإعادة إنتاج الموجود، بل تحاول مساءلته.
في النهاية، يمكن القول إن تجربة مها سليم تمثل نموذجًا لمنتج لا يتحرك في الفراغ، بل داخل سياق اجتماعي وثقافي واسع، يحاول أن يفهمه ويعيد تقديمه بصيغة قابلة للتأمل، وفي هذا المعنى، تصبح الدراما ليست مجرد صناعة، بل شكلًا من أشكال قراءة الواقع، ومحاولة لإعادة تنظيمه داخل إطار سردي يمنحه معنى.

وهكذا، فإن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن فقط فيما قدمته من أعمال ناجحة، بل في ذلك الإصرار الهادئ على أن الفن، في جوهره، ليس هروبًا من الواقع، بل طريقة أخرى لفهمه.