مصطفي صلاح يكتب: ”السداح مداح”..اقتصاد يربح فيه المحتكر ويسحق فيه الفقير

حين أطلق أحمد بهاء الدين وصفه الشهير «السداح مداح» على سياسة الانفتاح الاقتصادي في عهد أنور السادات، لم يكن يتحدث عن أزمة مؤقتة أو خلل عابر في إدارة السوق، بل كان يحذر من لحظة خطيرة تفقد فيها الدولة قدرتها على ضبط الإيقاع الاقتصادي، وتتحول الأسواق إلى مساحة مفتوحة للفوضى والجشع والمضاربة، وبعد عشرات السنين، يبدو أن هذا التعبير لم يعد مجرد وصف سياسي قديم، بل أصبح العنوان الحقيقي لما يعيشه المصريون الآن.
المواطن المصري لم يعد يعيش حياة طبيعية، بل يخوض معركة يومية مع الأسعار، يستيقظ صباحًا ليكتشف أن كل شيء ارتفع من جديد. الطعام، الدواء، المواصلات، الكهرباء، الإيجارات، الملابس، وحتى أبسط الاحتياجات التي كانت في متناول الطبقة المتوسطة أصبحت عبئًا مرهقًا يلتهم ما تبقى من قدرة الناس على الاحتمال.
الأسواق في مصر لم تعد تعرف معنى الاستقرار، السلعة التي تُباع اليوم بسعر، قد تقفز غدًا بلا مقدمات وبلا تفسير منطقي. المواطن يدخل أي متجر وهو يتوقع الصدمة قبل أن يسأل عن الثمن. وكأن البلد تحولت إلى ساحة مفتوحة يتحكم فيها الخوف والطمع أكثر مما تتحكم فيها القوانين أو الرقابة.
أي اقتصاد هذا الذي يجعل الإنسان يعمل طوال الشهر ثم يكتشف أن راتبه انتهى قبل منتصفه؟
أي منطق يسمح بأن يتحول شراء الطعام أو الدواء إلى أزمة يومية؟
وأي واقع هذا الذي يجعل المواطن يخاف من فاتورة الكهرباء أكثر مما يخاف من المستقبل نفسه؟
لقد أصبح الغلاء في مصر حالة عامة، لا أزمة مؤقتة. الناس لم تعد تتحدث عن ارتفاع الأسعار باعتباره ظرفًا استثنائيًا، بل باعتباره قدرًا مفروضًا عليهم. كل يوم زيادة جديدة، وكل أسبوع سعر مختلف، وكل شهر ضغوط أكبر على الأسر التي لم تعد تعرف كيف تدير حياتها وسط هذا الجنون المستمر.
الأخطر أن المواطن فقد الإحساس بالأمان الاقتصادي. لا أحد يعرف إلى أين تتجه الأمور، ولا متى تتوقف هذه الموجة. التاجر نفسه أصبح مرتبكًا، لأن السوق يتحرك بلا قواعد واضحة. والمواطن أصبح يشعر أن حياته كلها معلقة بقرارات وأسعار تتغير أسرع من قدرته على الفهم أو التكيف.
حين حذر أحمد بهاء الدين من «السداح مداح»، كان يقصد أن ترك السوق بلا ضوابط سيؤدي حتمًا إلى تغول الجشع، وإلى تراجع قيمة العمل والإنتاج أمام ثقافة الربح السريع والاحتكار. وهذا ما يراه الناس اليوم بوضوح كامل. هناك من يحقق أرباحًا ضخمة من الأزمات، بينما ملايين المواطنين يزدادون فقرًا وضغطًا واختناقًا.
لقد تحولت بعض الأسواق إلى ما يشبه المزاد المفتوح على أعصاب الناس. كل تاجر يضع السعر الذي يراه مناسبًا، وكل وسيط يضيف ما يشاء، وفي النهاية يدفع المواطن الفاتورة كاملة. أما الرقابة، فتبدو أحيانًا أضعف من أن تلاحق هذا الانفلات الذي يبتلع المجتمع ببطء.
الطبقة المتوسطة، التي كانت دائمًا العمود الفقري للاستقرار المصري، تتعرض الآن لتآكل قاسٍ. الموظف الذي كان يستطيع العيش بشكل معقول، أصبح بالكاد يوفر احتياجات أسرته الأساسية. صاحب المعاش يعيش في دوامة من القلق والخوف من المرض. الشباب لم يعودوا يفكرون في بناء مستقبل أو تكوين أسرة، بل في كيفية النجاة من المصاريف اليومية التي تتضخم بصورة مخيفة.
والمؤلم أن الغلاء لم يعد يسرق المال فقط، بل بدأ يسرق راحة الناس وأعصابهم وعلاقاتهم الاجتماعية، العصبية زادت، الضغوط النفسية تضاعفت، والإحساس بالعجز أصبح حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية. المواطن لم يعد يشعر أنه يعيش، بل يشعر أنه يطارد الحياة بينما الأسعار تطارده بلا رحمة.
حتى الحديث داخل البيوت تغيّر. لم تعد الأسر تناقش الأحلام أو الطموحات أو خطط المستقبل، بل أصبحت معظم الأحاديث تدور حول كيفية تدبير المصروفات وتقليل الاحتياجات وتأجيل الضروريات.. الأم أصبحت تحذف من قائمة الطعام، والأب يحاول إخفاء قلقه من الفواتير، والأبناء يرون التوتر في كل شيء حولهم.
هذا ليس مجرد ضغط اقتصادي، بل إنهاك اجتماعي كامل. فالمجتمعات لا تُستنزف فقط بالحروب، بل أيضًا بالشعور الطويل بأن الحياة تصبح أصعب يومًا بعد يوم، وأن العمل لم يعد يكفي، وأن المستقبل يتحول بالتدريج إلى مساحة غامضة مليئة بالخوف.
المشكلة الأكبر أن المواطن لم يعد يثق في السوق. لم يعد يعرف السعر الحقيقي لأي شيء.
هناك شعور عام بأن بعض الزيادات لا علاقة لها بالتكلفة الحقيقية، بل بالجشع واستغلال الأزمات، وهذا الإحساس خطير، لأن الناس يمكن أن تتحمل الظروف الصعبة إذا شعرت بالعدل، لكنها تغضب حين تشعر أنها تُترك وحدها في مواجهة الفوضى.
لقد كان أحمد بهاء الدين يرى أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الدولة من دولة تنتج وتحمي مجتمعها، إلى دولة يسيطر فيها السوق على حياة الناس دون ضوابط حقيقية. واليوم، يبدو أن هذا التحذير يتحقق بصورة مؤلمة. فالمواطن المصري لم يعد يشعر أنه يعيش داخل سوق منظم، بل داخل حالة دائمة من «السداح مداح»، حيث ترتفع الأسعار بلا سقف، وتتراجع القدرة الشرائية بلا توقف، ويظل الإنسان العادي هو الطرف الأضعف دائمًا.
وهكذا، لم يعد «السداح مداح» مجرد مصطلح سياسي قديم، بل أصبح وصفًا لحياة كاملة يعيشها المصريون الآن؛ حياة يدفع فيها المواطن ثمن الفوضى كل يوم من أعصابه وصحته وكرامته وقدرته على الاستمرار.

