الموجز اليوم
الموجز اليوم

(2)..

مصطفى صلاح يكتب: ع الأصل دور..كيف خسرنا احترام الكلمة؟

-

الكلمة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي انعكاس مباشر لطريقة التفكير ومستوى الوعي داخل أي مجتمع، فطريقة حديث الناس، واختيارهم لألفاظهم، وقدرتهم على الاختلاف دون إساءة، كلها مؤشرات تكشف حالة المجتمع الأخلاقية والثقافية، لذلك لم يكن غريبًا أن تُعرف المجتمعات الراقية يومًا ليس فقط بعلمها وتقدمها، بل أيضًا باحترام الناس لبعضهم، وهدوء خطابهم، وقدرتهم على إدارة الخلاف دون تجريح أو إهانة.
لكن ما نراه اليوم يشير إلى تحول مقلق في طبيعة الكلام نفسه، الكلمات التي كانت تُعتبر تجاوزًا أخلاقيًا أصبحت تُقال بسهولة شديدة، والسباب الذي كان الناس يخجلون من التلفظ به صار جزءًا من المزاح اليومي، والسخرية تحولت إلى أسلوب دائم في التعامل مع الآخرين.

الأخطر أن هذا التحول لم يعد مقتصرًا على الشارع فقط، بل امتد إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض البرامج الإعلامية، وحتى داخل البيوت.
أصبح من الطبيعي أن يتحول أي نقاش بسيط إلى معركة كلامية، وأن يختفي الحوار لحساب الصراخ، وأن يصبح الهجوم الشخصي أسرع من مناقشة الفكرة نفسها. كثير من الناس لم يعودوا يبحثون عن الفهم أو الوصول إلى الحقيقة، بل عن الانتصار فقط، حتى لو كان هذا الانتصار قائمًا على الإهانة أو التقليل من الآخرين أو تشويههم أمام الناس.
وهنا تظهر خطورة الأزمة، لأنها لم تعد مشكلة ألفاظ فقط، بل مشكلة وعي كامل، فالإنسان حين يعتاد الكلمات الجارحة يفقد تدريجيًا قدرته على التفاهم وضبط النفس واحترام الاختلاف. ومع الوقت، يتحول العنف اللفظي إلى سلوك طبيعي، وتصبح القسوة جزءًا من الحياة اليومية، ويبدأ المجتمع كله في فقدان هدوئه واتزانه.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في تعميق هذه الحالة، فالمنصات الرقمية تقوم أساسًا على السرعة وجذب الإنتباه، وهذا جعل بعض الأشخاص يكتشفون أن الاستفزاز يحقق انتشارًا أسرع من الاحترام، وأن الشتائم أحيانًا تجلب تفاعلًا أكبر من الحوار الراقي. وهكذا ظهرت نماذج كثيرة تعتمد على الصراخ والتنمر والسخرية باعتبارها طريقًا للشهرة والانتشار.
المشكلة الأكبر أن الشباب والمراهقين يتأثرون بهذه النماذج بشكل مباشر.. حين يرى الشاب أن الشخص الأكثر شهرة هو الأكثر استفزازًا، يبدأ تدريجيًا في تقليده دون أن يشعر. ومع التكرار، تتحول الوقاحة إلى أسلوب عادي، ويبدأ البعض في الاعتقاد أن الأدب ضعف، وأن الشخص المحترم لا يستطيع الدفاع عن نفسه، وأن الصوت المرتفع أكثر تأثيرًا من المنطق والعقل.
كما ساهمت بعض الأعمال الفنية والإعلامية في ترسيخ هذه الصورة المشوشة، فبدلًا من تقديم الشخص الهادئ والمتزن باعتباره نموذجًا للقوة، أصبحت بعض الأعمال تقدم الشخص العدواني بوصفه الأكثر حضورًا وهيبة. حتى بعض برامج الحوار لم تعد تعتمد على الفكرة أو المعلومة، بل على المشاحنات والصدامات التي تضمن نسب مشاهدة أعلى.
والمشكلة هنا ليست لغوية فقط، بل أخلاقية واجتماعية أيضًا. لأن طريقة الكلام تكشف طريقة التفكير، والمجتمع الذي تسيطر عليه لغة الإهانة يصبح أكثر توترًا وعنفًا وأقل قدرة على التفاهم. وحين يفقد الناس احترام الكلمة، يفقدون بالتدريج احترام الإنسان نفسه.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن تراجع دور الأسرة. في الماضي، كانت الأسرة تهتم بتعليم الأبناء أدب الحديث واحترام الكبير وعدم استخدام الألفاظ الجارحة. أما اليوم، فكثير من الأطفال ينشؤون داخل بيوت يسودها التوتر والعنف اللفظي، فيتعلمون منذ الصغر أن الصراخ والإهانة جزء طبيعي من الحياة اليومية.
ثم تأتي المدرسة، التي كان يفترض أن تكون مساحة لبناء الشخصية وغرس القيم، لكنها أصبحت في أحيان كثيرة منشغلة بالتحصيل الدراسي فقط، بينما تراجع الاهتمام الحقيقي بالتربية السلوكية وثقافة الحوار. ومع هذا الفراغ، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي هي “المربي اليومي” للكثير من الشباب، وهي بيئة سريعة وفوضوية لا تضع اعتبارًا حقيقيًا للأخلاق أو الذوق العام.
لكن رغم هذا المشهد المزعج، ما زالت هناك فرصة حقيقية لاستعادة احترام الكلمة إذا أدركنا أن القضية ليست شكلية أو ثانوية، بل قضية وعي ومستقبل. البداية يجب أن تكون من إعادة الاعتبار لفكرة أن الكلمة مسؤولية، وأن الاحترام لا يعني الضعف، بل يدل على قوة الشخصية واتزانها.
نحتاج إلى إعلام يقدم نماذج راقية في الحوار بدلًا من الصدام الدائم، وإلى أعمال فنية تُظهر أن الإنسان المحترم يمكن أن يكون قويًا وناجحًا دون إسفاف أو عدوانية. كما نحتاج إلى مدارس تهتم ببناء الشخصية لا حفظ المعلومات فقط، وإلى أسر تدرك أن التربية الحقيقية تبدأ من طريقة الكلام داخل البيت.
كذلك يحتاج الشباب إلى فهم حقيقة مهمة جدًا، وهي أن الإنسان لا يُقاس بقدرته على الإهانة أو رفع صوته، بل بقدرته على التحكم في غضبه واختيار كلماته بعناية. فالكلمة قد تبني إنسانًا محبطًا، وقد تهدم شخصًا بالكامل، وقد تُصلح علاقة، وقد تُشعل نزاعًا لا ينتهي.
ولهذا قال القدماء إن اللسان سلاح، لكنه السلاح الوحيد الذي يستطيع أن يجرح دون أن يترك أثرًا ظاهرًا. وربما لهذا السبب كانت الكلمة دائمًا أخطر مما يظنه الناس، لأنها قادرة على تشكيل النفوس والعلاقات والمجتمعات بأكملها.
إن المجتمعات التي تفقد احترام الكلمة، تفقد بالتدريج احترام الحوار، ثم احترام الاختلاف، ثم احترام الإنسان نفسه. وحين تصبح الشتائم لغة يومية، يصبح التوتر أسلوب حياة، ويصبح التفاهم أكثر صعوبة، وتتحول العلاقات إلى ساحات صدام مستمرة.
لهذا فإن معركة تهذيب اللغة ليست معركة شكلية أو نخبوية، بل معركة لحماية الذوق العام والوعي الإنساني. لأن الكلمات التي نستخدمها كل يوم لا تكشف فقط طريقة حديثنا، بل تكشف أيضًا ما الذي أصبحنا عليه، وما الذي يمكن أن نصبحه في المستقبل.
وفي النهاية، يبقى الحل الحقيقي أن نعود إلى الجذور التي صنعت احترام الإنسان والكلمة معًا، وأن ندرك أن الرقي يبدأ من طريقة الحديث قبل أي شيء آخر، وأن “ع الأصل دور” ليست مجرد عبارة، بل دعوة صادقة للعودة إلى أصولنا وقيمنا وأخلاقنا التي كانت تجعل للكلمة وزنًا، وللاحترام مكانة، وللإنسان قيمة حقيقية.