(3)..
مصطفى صلاح يكتب: ع الأصل دور..المثقف الذى غادر المشهد

كان هناك وقت تُقاس فيه قيمة المجتمعات بقدرتها على إنتاج الفكر، لا بإنتاج الضجيج.. وقت كانت فيه أسماء الكُتاب والمفكرين جزءًا من الوعي اليومي للناس، وكانت الندوات الثقافية والصحف والكتب ساحات حقيقية للنقاش وتبادل الأفكار، لم يكن المثقف مجرد شخص يكتب مقالات أو يتحدث بلغة معقدة، بل كان عقلًا حاضرًا داخل المجتمع، يفسر ما يحدث، ويناقش القضايا، ويطرح الأسئلة التي يخاف الآخرون من طرحها.
في ذلك الزمن، كان للرأي قيمة، وللكلمة وزن، وللفكرة مكانة، وكانت الثقافة تُنظر إليها باعتبارها ضرورة لبناء الإنسان، لا مجرد رفاهية تخص النخبة. أما اليوم، فقد تغير المشهد بصورة كبيرة. لم يعد الاهتمام موجَّهًا نحو من يملك الفكرة الأعمق، بل نحو من يملك القدرة الأكبر على جذب الانتباه. وأصبح “التريند” أسرع انتشارًا من الكتاب، والمحتوى السريع أكثر حضورًا من النقاش الحقيقي، وتحول كثير من الناس من البحث عن المعنى إلى البحث عن التسلية اللحظية.
هذه التحولات لم تؤدِّ إلى اختفاء المثقف تمامًا، لكنها دفعته إلى الهامش، أو جعلته أقل تأثيرًا في تشكيل الوعي العام. لم يعد السؤال المطروح: ماذا يقول هذا المفكر؟ بل أصبح: كم مشاهدة حقق؟ وكم متابعًا يملك؟ وهنا حدث الخلط الكبير بين القيمة والانتشار، وبين الشهرة والمعرفة، وبين التأثير الحقيقي والضجيج المؤقت.
المثقف الحقيقي بطبيعته يحتاج إلى وقت وتأمل وقراءة وتحليل. يحتاج إلى مساحة هادئة تنضج فيها الفكرة قبل أن تُقال. لكن العصر الحالي يقوم على السرعة، وعلى المحتوى المختصر، وعلى الجمل السريعة القابلة للمشاركة خلال ثوانٍ. ولذلك وجد كثير من المثقفين أنفسهم أمام معادلة صعبة: إما التكيف مع منطق السرعة على حساب العمق، أو البقاء خارج دائرة التأثير الجماهيري.
ومع الوقت، بدأت الثقافة نفسها تتعرض لعملية “تسطيح” تدريجية. أصبحت الأفكار تُختصر بشكل مخل، والنقاشات تتحول إلى شعارات سريعة، والمعرفة تُقدم أحيانًا كنوع من الترفيه الخفيف لا كأداة لفهم الواقع وتغييره. وهنا لم تمت الفكرة بالكامل، لكنها فقدت جزءًا كبيرًا من قوتها وتأثيرها الحقيقي.
في المقابل، ظهرت نماذج جديدة استطاعت أن تملأ هذا الفراغ بسرعة. شخصيات لا تعتمد بالضرورة على المعرفة أو العمق، لكنها تجيد جذب الانتباه عبر الإثارة أو الجدل أو الخطاب العاطفي المباشر. ومع سيطرة مواقع التواصل الاجتماعي على المشهد، أصبح الصوت الأعلى أحيانًا أكثر حضورًا من الفكرة الأهم، وأصبح الانتشار السريع يمنح البعض سلطة معنوية تفوق أحيانًا أصحاب الخبرة والمعرفة الحقيقيين.
ولا يمكن تحميل الجمهور وحده مسؤولية هذا التحول، لأن المنظومة كلها تغيرت. الإعلام أصبح يبحث غالبًا عن ما يجذب المشاهدات السريعة، ومنصات التواصل تكافئ المحتوى الخفيف والسريع، بينما تراجعت المساحات الثقافية الجادة التي كانت تمنح الفكر فرصة للوصول إلى الناس. حتى القراءة نفسها تراجعت أمام سيل المحتوى البصري السريع، وأصبح كثير من الناس يفضلون استهلاك المعلومات المختصرة بدلًا من التعمق والفهم.
لكن السؤال الأهم هنا: هل المشكلة في غياب المثقف، أم في تغير شكل العالم من حوله؟
الحقيقة أن المثقف لم يختفِ، لكنه فقد أدواته التقليدية، ولم ينجح دائمًا في إعادة تقديم نفسه بالشكل الذي يناسب العصر الجديد.. بعض المثقفين انسحبوا إلى عزلة طويلة، وبعضهم استمر في الكتابة داخل دوائر ضيقة لا تصل إلا إلى نخبة محدودة، وبعضهم حاول الدخول إلى المنصات الحديثة لكنه اصطدم بقواعد مختلفة تمامًا عن عالمه القديم.
ومع ذلك، يبقى وجود المثقف ضرورة لا غنى عنها، فالمجتمع بلا عقل ناقد يصبح أكثر عرضة للتضليل والانفعال والتطرف.
المثقف الحقيقي ليس شخصًا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بل هو من يساعد الناس على التفكير، ويطرح الأسئلة الصعبة، ويكشف التناقضات، ويمنع الوعي الجمعي من الانجراف وراء الشعارات الجاهزة أو العواطف اللحظية.
الأخطر من تراجع دور المثقف هو تراجع قيمة الثقافة نفسها.. حين تتحول المعرفة إلى مجرد محتوى سريع للاستهلاك، تفقد الثقافة دورها الأساسي في بناء الإنسان، لأن الثقافة ليست معلومات فقط، بل طريقة لفهم الحياة والناس والتاريخ والواقع. وهي التي تمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الحقيقة والضجيج، وبين الرأي والتحريض، وبين الفكر والدعاية.
لكن رغم هذا المشهد، لا يمكن القول إن المعركة انتهت، فكل مرحلة تاريخية تفرض أدواتها الخاصة، وربما يكون التحدي الحقيقي اليوم هو قدرة المثقف على إيجاد لغة جديدة تصل إلى الناس دون أن تفقد عمقها. المطلوب ليس أن يتخلى عن فكره أو يتحول إلى صانع محتوى سريع، بل أن يتعلم كيف يقدم الفكرة الكبيرة بلغة أبسط وأكثر قربًا من الجمهور.
وهناك بالفعل نماذج استطاعت أن تحقق هذا التوازن، فجمعت بين العمق والبساطة، وبين احترام عقل الجمهور واستخدام أدوات العصر الحديثة، وهذا يثبت أن المشكلة ليست في غياب الجمهور المهتم بالفكر، بل في طريقة الوصول إليه.
كما أن الجمهور نفسه ليس كتلة واحدة ترفض الثقافة، بل هناك دائمًا مساحة لمن يبحث عن المعنى الحقيقي وسط هذا الزحام، والدليل أن أي محتوى صادق وعميق ومقدم بشكل جيد يستطيع أن يجد من يتفاعل معه ويقدّره، حتى في زمن السرعة.
وفي النهاية، ربما لا يكون المثقف قد غادر المشهد بالكامل، بل المشهد نفسه هو الذي تغير. تغيرت أدوات التأثير، وتبدلت طريقة استقبال المعرفة، وأصبح الفكر مطالبًا بأن يجد طريقًا جديدًا وسط عالم مليء بالضجيج، لكن الحقيقة التي لا تتغير أبدًا هي أن كل ما يُبنى على الضجيج يختفي سريعًا، بينما تبقى الفكرة العميقة قادرة دائمًا على النجاة، لأن الزمن قد يصنع شهرة مؤقتة، لكنه لا يصنع قيمة حقيقية.

