الموجز اليوم
الموجز اليوم

(9)..

مصطفى صلاح يكتب: ع الأصل دور..من قتل الذوق العام؟

-

لا أحد يستطيع أن يحدد لحظة بعينها ويقول إن الذوق العام انهار فيها، لأن تراجع الذوق لا يحدث بقرار مفاجئ أو حادثة واحدة، بل يأتي على هيئة تغييرات صغيرة ومتراكمة تتسلل إلى الحياة اليومية دون أن ينتبه إليها الناس. ومع مرور الوقت، يصبح ما كان مستهجنًا أمرًا عاديًا، وما كان مرفوضًا مقبولًا، وما كان يثير الضيق جزءًا من المشهد المعتاد الذي يمر دون تعليق أو اعتراض.
والحقيقة أن الذوق العام ليس قضية شكلية أو رفاهية تخص فئة معينة من الناس، بل هو انعكاس مباشر لحالة المجتمع الثقافية والأخلاقية والسلوكية. ويمكن لأي شخص أن يكتشف مستوى الذوق العام في مجتمع ما من خلال مراقبة طريقة الحديث في الشارع، وأسلوب الحوار بين الناس، وطبيعة المحتوى المنتشر، وشكل الأماكن العامة، وحتى طريقة التعامل مع الخلافات اليومية،فالذوق العام ليس مجرد ذوق فني، بل أسلوب حياة كامل يعكس ما يؤمن به المجتمع وما يرفضه.
في الماضي، كانت هناك معايير واضحة تحكم السلوك العام، لم يكن الناس ملائكة بالطبع، وكانت الأخطاء موجودة، لكن كان هناك إتفاق ضمني على ما هو لائق وما هو غير لائق، وما يستحق التقدير وما يستحق الرفض، أما اليوم، فقد أصبحت هذه الحدود أقل وضوحًا، وبدأت الكثير من المعايير تتآكل تدريجيًا تحت تأثير عوامل عديدة ومتداخلة.
من أبرز هذه العوامل سيطرة ثقافة الصخب على مساحات واسعة من الحياة العامة، أصبح الصوت المرتفع وسيلة لجذب الانتباه، وأصبحت المبالغة طريقًا سريعًا للوصول إلى الجمهور، في كثير من الأحيان لم يعد المحتوى الهادئ أو الفكرة المتزنة قادرة على المنافسة أمام الضجيج المستمر الذي يملأ الشاشات والمنصات الرقمية. ومع الوقت، بدأ البعض يربط بين الصخب والتأثير، وبين الهدوء والضعف، رغم أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا.
كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في إعادة تشكيل الذوق العام. فهذه المنصات تعتمد في جوهرها على جذب الانتباه بأسرع طريقة ممكنة، وهو ما جعل المحتوى الصادم أو المثير للجدل أكثر قدرة على الانتشار من المحتوى العميق أو الهادف. ومع تكرار التعرض لهذا النوع من المحتوى، يبدأ المتلقي في التعود عليه، ثم تقبله، ثم البحث عنه. وهكذا تتحول الاستثناءات إلى قواعد، ويتحول الشاذ إلى مألوف.
ولم يقتصر الأمر على المحتوى الرقمي فقط، بل امتد إلى كثير من الأعمال الفنية والإعلامية. فالفن بطبيعته يمتلك قدرة هائلة على التأثير في الوعي العام، لأنه لا يخاطب العقل فقط، بل يخاطب المشاعر والخيال أيضًا. وعندما تتكرر صور معينة بشكل مستمر، فإنها تترك أثرًا عميقًا في طريقة رؤية الناس للحياة. لذلك فإن تقديم الإسفاف باعتباره خفة ظل، أو تقديم العدوانية باعتبارها قوة، أو تقديم الفوضى باعتبارها حرية، كلها رسائل تؤثر في الذوق العام حتى لو لم يكن ذلك مقصودًا.
ومن الأسباب المهمة أيضًا تراجع دور القراءة والثقافة الجادة في حياة كثير من الناس، فالإنسان الذي يقرأ ويتابع الفنون الراقية ويتعرض لأفكار متنوعة يمتلك قدرة أكبر على التمييز بين الجيد والرديء. أما حين تصبح مصادر المعرفة محدودة أو سطحية، فإن الحس النقدي يضعف، ويصبح من السهل تمرير أي محتوى مهما كان مستواه. ولهذا لا يمكن فصل أزمة الذوق العام عن أزمة القراءة والثقافة والمعرفة بشكل عام.
كذلك لا يمكن تجاهل دور الأسرة في هذه القضية. فالأسرة كانت عبر عقود طويلة المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان قواعد الذوق والاحترام والسلوك. داخل البيت كان الطفل يتعلم كيف يتحدث، وكيف يستمع، وكيف يتعامل مع الآخرين. لكن ضغوط الحياة الحديثة وانشغال الكثير من الأسر قلل من هذا الدور التربوي، وترك مساحة أكبر للتأثيرات الخارجية التي لا تخضع لأي ضوابط حقيقية.
أما المدرسة، التي يفترض أن تكون شريكًا أساسيًا في بناء الذوق العام، فقد أصبحت في كثير من الأحيان منشغلة بالتحصيل الدراسي والدرجات والامتحانات، بينما تراجع الاهتمام ببناء الشخصية وتنمية الحس الجمالي والثقافي لدى الطلاب. والنتيجة أن أجيالًا كاملة تنمو وهي تمتلك معلومات دراسية، لكنها لا تمتلك بالضرورة الأدوات التي تساعدها على التمييز بين الجمال والقبح، وبين القيمة والضجيج.
الخطر الحقيقي لا يكمن في انتشار بعض المظاهر السلبية، بل في اعتيادها. فالإنسان بطبيعته يتكيف مع ما يراه بشكل متكرر. وما يرفضه اليوم قد يتقبله غدًا إذا تعرض له بصورة مستمرة. ولهذا فإن أخطر ما يواجه الذوق العام هو حالة الاعتياد التي تجعل الناس يتوقفون عن ملاحظة التراجع من الأساس. وحين يفقد المجتمع حساسيته تجاه القبح، يصبح إصلاح المشكلة أكثر صعوبة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن تراجع الذوق العام لا يعني الاستسلام أو التشاؤم. فكل مجتمع يمتلك القدرة على تصحيح مساره إذا أدرك حجم التحدي الذي يواجهه. والبداية تكون من إعادة الاعتبار للقيمة الحقيقية، ودعم الفن الجيد، وتشجيع القراءة، وتقديم نماذج ناجحة تحترم عقل الجمهور بدل الاستخفاف به. كما أن للإعلام دورًا مهمًا في تقديم محتوى يرتقي بالوعي بدل أن يكتفي بمطاردة نسب المشاهدة.
وفي النهاية، فإن السؤال الأهم ليس من قتل الذوق العام، بل كيف نعيد إحياءه من جديد؟ لأن الذوق ليس مجرد مظهر خارجي، بل جزء من هوية المجتمع وروحه. وحين يفقد الناس قدرتهم على تمييز الجميل من القبيح، والراقي من المبتذل، فإنهم يفقدون شيئًا من توازنهم الثقافي والإنساني.
وهنا يظهر المعنى الحقيقي لعبارة "ع الأصل دور". فالأصل ليس حنينًا أعمى إلى الماضي، ولا دعوة لرفض كل جديد، بل هو العودة إلى القيم التي صنعت الذوق والاحترام والجمال في حياتنا. الأصل هو أن تكون للكلمة قيمة، وللفن رسالة، وللسلوك حدود، وللإنسان وعي يميز به بين ما يرفع المجتمع وما يهبط به. وعندما نستعيد هذه المعاني، نكون قد عدنا فعلًا إلى الأصل الذي يستحق أن يكون له الدور الأكبر في صناعة الحاضر وبناء المستقبل.