الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: تحيا مصر..تحيا وزارة الداخلية..ليلة سقوط نخنوخ

-

في تاريخ الدول لحظات تتجاوز حدود الحدث نفسه لتصبح تعبيرًا عن طبيعة المرحلة التي تعيشها الدولة وقدرتها على فرض سيادتها وحماية المجتمع. ومن بين هذه اللحظات تبقى واقعة القبض على صبري نخنوخ واحدة من الوقائع التي حملت دلالات أعمق من مجرد تنفيذ إجراء قانوني بحق متهم، إذ مثلت رسالة واضحة بأن الدولة المصرية لا تقبل بوجود أي شخص خارج إطار القانون، وأن هيبة الدولة لا يمكن أن تتعايش مع مظاهر البلطجة أو النفوذ غير المشروع.
فالدولة الحديثة لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى بسيادة القانون. وعندما يشعر المواطن أن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء، تتعزز الثقة في المؤسسات، ويزداد الشعور بالأمن والاستقرار. أما عندما تنتشر فكرة أن هناك من يستطيع الإفلات من المحاسبة بسبب النفوذ أو العلاقات، فإن ذلك يمثل خطرًا على المجتمع بأكمله قبل أن يكون خطرًا على الدولة.
من هنا اكتسبت واقعة القبض على نخنوخ أهميتها. فالقضية لم تكن قضية شخص، وإنما قضية مبدأ. والمبدأ الذي انتصر في تلك اللحظة هو أن القانون يظل صاحب الكلمة العليا، وأن الدولة المصرية قادرة على الوصول إلى أي شخص مهما كان حجم ما يُشاع حول نفوذه أو قدرته على التأثير.
لقد خاضت مصر خلال السنوات الماضية معركة كبيرة من أجل استعادة الاستقرار وترسيخ مؤسسات الدولة. وكانت هذه المعركة تتطلب وجود أجهزة قوية تمتلك الكفاءة والإرادة لحماية المجتمع من الجريمة والعنف وترويع المواطنين. وفي مقدمة هذه المؤسسات جاءت وزارة الداخلية التي تحملت مسؤوليات جسيمة في ظروف استثنائية، وقدمت نموذجًا واضحًا في الدفاع عن أمن الدولة وحماية المواطنين.
ولا يمكن الحديث عن هذه الجهود دون الإشارة إلى الدور الذي تقوم به وزارة الداخلية بقيادة اللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، الذي شهد عهده استمرار عمليات تطوير المنظومة الأمنية وتحديث آليات العمل بما يحقق التوازن بين حفظ الأمن وتطبيق القانون. فقد نجحت الوزارة في توجيه ضربات متتالية للعناصر الإجرامية والبؤر الخطرة، وأكدت أن الدولة لن تسمح بعودة أي ممارسات تهدد أمن المواطنين أو تعيد إنتاج ظواهر البلطجة التي عانى منها المجتمع في فترات سابقة.
إن نجاح الأجهزة الأمنية في التعامل مع الشخصيات التي ارتبطت في الوعي الشعبي بمظاهر النفوذ والسطوة يبعث برسالة طمأنينة للمواطن البسيط قبل أي شيء آخر. فالمواطن لا يبحث عن القوة في حد ذاتها، وإنما يبحث عن العدالة. يريد أن يشعر بأن حقوقه مصونة، وأن الدولة قادرة على حمايته من أي محاولة للترهيب أو فرض الأمر الواقع.
والحقيقة أن البلطجة ليست مجرد مخالفة قانونية عادية، بل هي اعتداء مباشر على فكرة الدولة.. فالبلطجي يحاول أن يصنع لنفسه سلطة موازية، وأن يفرض الخوف بديلًا عن القانون. ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة تمثل دفاعًا عن المجتمع كله، وليس عن ضحاياها المباشرين فقط.
وقد أثبتت التجربة المصرية أن القضاء على البلطجة لا يتحقق إلا من خلال الحسم القانوني وتطبيق العدالة على الجميع دون تفرقة. فكلما تراجعت الاستثناءات، ازدادت قوة الدولة، وكلما شعر المواطن أن الجميع يقفون أمام القانون على قدم المساواة، ازدادت ثقته في مؤسساته الوطنية.
إن الدولة المصرية بقيادة مؤسساتها الوطنية أثبتت خلال السنوات الأخيرة أنها ماضية في ترسيخ مفهوم الدولة الحديثة التي لا تعرف سوى معيار واحد هو القانون. وهذا النهج لم يكن ممكنًا لولا وجود إرادة سياسية واضحة تدعم مؤسسات الدولة، وأجهزة أمنية قادرة على تنفيذ القانون بحسم واحترافية، وقضاء مستقل يفصل في القضايا وفقًا للأدلة وأحكام القانون.
ولهذا فإن واقعة القبض على نخنوخ ستظل بالنسبة لكثيرين أكثر من مجرد خبر أو قضية جنائية. ستظل رمزًا لفكرة أن الدولة عندما تقرر فرض القانون فإنها تمتلك الأدوات والقدرة على تنفيذ ذلك، وستظل شاهدًا على أن مصر اختارت طريق الدولة القوية العادلة التي لا تفرق بين مواطن وآخر في تطبيق القانون.
لقد كانت تلك الليلة رسالة إلى كل من يعتقد أن النفوذ يمكن أن يكون بديلًا عن الشرعية، أو أن القوة يمكن أن تحل محل القانون. وكانت في الوقت نفسه رسالة تقدير لكل رجل أمن يؤدي واجبه في حماية الوطن، ولكل مؤسسة تعمل من أجل الحفاظ على استقرار الدولة وصون حقوق المواطنين.
تحيا مصر التي لا تقبل إلا بسيادة القانون، وتحيا وزارة الداخلية التي تواصل أداء دورها في حماية أمن الوطن، ويستحق رجالها التقدير على ما يبذلونه من جهود في مواجهة الجريمة وحماية المجتمع، ليبقى المواطن مطمئنًا إلى أن الدولة حاضرة، وأن القانون هو السيد فوق الجميع.