مصطفى صلاح يكتب: محسن سميكة..شخصية صنعتها التفاصيل لا العناوين

هناك شخصيات يمكن أن تكتب عنها سيرة ذاتية كاملة، ثم تكتشف أنك لم تقترب بعد من جوهرها الحقيقي، لأن المناصب لا تشرح الإنسان، والوظائف لا تكشف الشخصية، والعناوين الكبيرة لا تحكي القصة كلها،
ومن هؤلاء الكاتب الصحفي محسن سميكة.
قد يراه البعض صحفيًا متخصصًا في الشؤون الرئاسية والسياسية، وقد يعرفه آخرون باعتباره مؤسس موقع إخباري ناجح، وقد يتوقف البعض عند سنوات عمله في صحيفة المصري اليوم. لكن عند محاولة تحليل شخصيته ستجد أن هناك عوامل أخرى كانت وراء نجاحه، وربما كانت أهم من المناصب نفسها.
أول ما يلفت الإنتباه في شخصية محسن سميكة هو علاقته بالمهنة، فهو لا يتعامل مع الصحافة باعتبارها وظيفة تبدأ في الصباح وتنتهي في المساء.
المهنة بالنسبة له حالة دائمة من المتابعة والتفكير والبحث، ولهذا السبب اكتسب خبرة واسعة في الملفات السياسية والرئاسية، ليس لأنه كان قريبًا من الأحداث فقط، بل لأنه كان حريصًا على فهمها.
هناك صحفي يكتفي بما يصل إليه من معلومات، وهناك صحفي آخر يسأل: لماذا حدث هذا؟ وكيف حدث؟ وماذا سيحدث بعد ذلك؟ والفارق بين الاثنين هو الفارق بين ناقل الخبر وصانع الفهم، ومحسن سميكة ينتمي إلى النوع الثاني.
من الصفات المهمة في شخصيته أيضًا ما يمكن وصفه بعناد المهنة، وهذه ليست صفة سلبية كما قد يعتقد البعض ،على العكس تمامًا، فالكثير من الإنجازات المهنية الكبرى تبدأ من شخص يرفض الاكتفاء بالإجابة السهلة، ويرفض التوقف عند أول معلومة، ويواصل البحث حتى يصل إلى ما يريد.
من يعرفه يدرك أنه إذا بدأ ملفًا فلن يتركه ناقصًا، وإذا شعر أن هناك تفصيلًا غائبًا فلن يتجاهله. وإذا وجد سؤالًا بلا إجابة فإنه يواصل البحث حتى يجد الإجابة. وهذا النوع من الإصرار هو أحد أسرار النجاح في العمل الصحفي، لأن الحقيقة الكاملة لا تظهر دائمًا من النظرة الأولى.
الصفة الثانية التي تستحق التأمل هي الثقة.
في كل مهنة هناك أشخاص أكفاء، لكن ليس كل الأكفاء محل ثقة. الثقة شيء مختلف. هي حصيلة سنوات من الالتزام والوضوح واحترام الكلمة. وهي لا تُمنح بقرار ولا تُشترى بمنصب.
وعندما يُذكر اسم محسن سميكة بين زملائه أو بين من تعاملوا معه، فإن كلمة "الثقة" غالبًا ما تكون حاضرة، والسبب بسيط. لأن الناس عبر السنوات اختبرت مواقفه، واختبرت طريقته في العمل، واختبرت مدى التزامه بما يقول.
الثقة في الحياة المهنية تشبه الرصيد في البنك.. تحتاج سنوات طويلة لبنائه، وقد يفقده الإنسان في لحظة إذا أساء استخدامه. ولذلك فإن المحافظة على الثقة تحتاج إلى جهد أكبر من الحصول عليها.
ومن الجوانب المهمة في شخصيته أيضًا قدرته على التطور..كثيرون يحققون نجاحًا في مرحلة معينة ثم يكتفون بما وصلوا إليه، أما محسن سميكة فقد اختار طريقًا مختلفًا بعد سنوات من العمل في مؤسسة صحفية كبيرة، قرر أن يخوض تجربة جديدة بتأسيس موقع "الموقع" الإخباري.
هذا القرار يكشف جانبًا مهمًا من شخصيته. فهو لا يؤمن بالوقوف في مكان واحد يؤمن بأن التطور ضرورة، وأن الخبرة الحقيقية يجب أن تتحول إلى مشروع قادر على الاستمرار والعطاء.
واللافت أن هذه الخطوة لم تكن مجرد انتقال مهني، بل كانت تعبيرًا عن فهم عميق للتحولات التي يشهدها الإعلام. فالعالم يتغير، وأدوات العمل تتغير، والجمهور نفسه يتغير. ومن لا يواكب هذه المتغيرات يخرج من المشهد مهما كانت خبرته.
لكن ما يميز تجربة محسن سميكة أن التطور عنده لم يكن على حساب الثوابت المهنية. فالوسيلة قد تتغير، أما قيمة المعلومة الدقيقة وأهمية التحقق من المصادر واحترام عقل القارئ فتبقى أمورًا لا تقبل التغيير.
وعندما ننظر إلى شخصيته بعيدًا عن الجانب المهني نجد جانبًا آخر لا يقل أهمية.
فالإنسان لا يُقاس فقط بما يحققه من نجاحات، وإنما أيضًا بطريقة تعامله مع الناس. وهنا تظهر سمة يعرفها كل من اقترب من محسن سميكة، وهي الوفاء.
في وقت أصبحت العلاقات فيه مرتبطة أحيانًا بالمصالح والظروف، ما زال يؤمن بقيمة الصداقة. لا يتعامل مع أصدقائه بمنطق المكسب والخسارة، ولا يختفي عند أول أزمة، ولا يتغير بتغير المواقع والمناصب.
وهذه الصفة تحديدًا أصبحت نادرة. لأن النجاح يكشف معادن البشر أكثر مما تكشفها الصعوبات. وبعض الناس تتغير عندما تحقق مكانة أو نفوذًا أو شهرة. أما الإنسان الحقيقي فيبقى كما هو.
ولذلك فإن الذين يعرفون محسن سميكة لا يتحدثون فقط عن خبرته المهنية، بل يتحدثون أيضًا عن مواقفه الإنسانية، وعن حرصه على الحفاظ على علاقاته، وعن احترامه للناس مهما اختلفت مواقعهم أو ظروفهم.
ومن خلال تأمل هذه الشخصية يمكن استخلاص درس مهم للأجيال الجديدة. النجاح لا يقوم على الموهبة وحدها. ولا على العلاقات وحدها. ولا على الحظ كما يعتقد البعض.
النجاح غالبًا نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة: الاجتهاد، والانضباط، والقدرة على التعلم، والتمسك بالمصداقية، واحترام الآخرين، والقدرة على التطور دون التخلي عن المبادئ الأساسية.
هذه الصفات اجتمعت بدرجات مختلفة في تجربة محسن سميكة، ولذلك استطاع أن يحقق مكانة مهنية محترمة، وأن يحافظ عليها عبر سنوات طويلة.
وعندما نحاول تلخيص شخصيته في جملة واحدة، ربما يمكن القول إن محسن سميكة من الأشخاص الذين تعاملوا مع المهنة بجدية، وتعاملوا مع الناس بوفاء، وتعاملوا مع النجاح باعتباره مسؤولية لا امتيازًا، ولهذا السبب لم يكن حضوره في الصحافة مجرد مرحلة مؤقتة، بل تجربة تحمل الكثير من الدروس لكل من يريد أن يفهم معنى العمل الجاد، ومعنى الثقة، ومعنى أن يبني الإنسان اسمه خطوة بعد أخرى.


