مصطفى صلاح يكتب: يحيى زهران..سيرة رجل ترك الضوء على الصفحات ورحل

في بعض المهن، يمضي أصحابها تاركين وراءهم أرشيفًا من الصور، وعناوين تتبدل، وأوراقًا تأكلها الأيام، أما القلة النادرة، فإنها تترك أثرًا يشبه البصمة على جبين الزمن، فإذا ذُكر الاسم، حضر صاحبه بما كان عليه من خلق ومهارة، وبما تركه من جميل الصنعة وحسن الأثر، ومن هؤلاء كان يحيى زهران، المخرج الصحفي الذي لم يكن ينظر إلى الصفحة باعتبارها مساحة بيضاء تُملأ، بل كان يراها وطنًا صغيرًا، له روحه ونبضه وهيئته التي تستحق العناية والمحبة.
لم يكن من الرجال الذين يرفعون أصواتهم، ولا من هواة الظهور، لكنه كان يعرف كيف يجعل الصفحة تتحدث، وكيف يمنح العناوين مهابتها، والصور مكانتها، والمساحات اتزانها. كان يؤمن أن القارئ لا يلتقي الكلمات وحدها، بل يلتقي الشكل الذي يحتضنها، وأن الجمال ليس ترفًا، بل احترام لعقل المتلقي وذائقته.
لهذا لم يكن غريبًا أن يتحول اسمه، بعد الرحيل، إلى عنوان لوفاء جميل، حين احتضنت قاعة هيكل بمؤسسة الأهرام حفل توزيع جوائز الدورة الأولى لجائزة «يحيى زهران» للإخراج الصحفي المطبوع، في مشهد امتزجت فيه مشاعر التقدير بذكريات سنوات طويلة قضاها الرجل بين الصفحات وأروقة صاحبة الجلالة.
كان المشهد يليق بالرجل. وجوه جاءت تحمل المحبة، وأسماء صنعت جزءًا من تاريخ الصحافة المصرية، وشخصيات عامة وإعلاميون ومثقفون يعرفون قيمة من أفنى عمره بين الورق والحبر، دون أن يسعى إلى ضجيج أو يطلب أضواء. وفي مقدمة الحاضرين الكاتب الصحفي ماجد منير، رئيس تحرير الأهرام ورئيس مجلس أمناء الجائزة، الذي وزع الجوائز على الفائزين، وكأن التكريم لم يكن للمبدعين الجدد وحدهم، بل كان أيضًا تحية عرفان لذكرى رجل أصبح اسمه مرادفًا لفن الإخراج الصحفي الراقي.
شيء من الوفاء كان يسري في المكان. فالذاكرة لا تحفظ إلا أصحاب الأثر الصادق. أما الذين مروا مرورًا عابرًا، فإنهم يختفون مع أول منعطف. لكن يحيى زهران لم يكن عابرًا. كان من أولئك الذين يعرفون أن المهنة لا تُمارس باليد وحدها، بل بالقلب أيضًا. ولهذا ظل اسمه حيًا في وجدان زملائه وتلاميذه، وظلت سيرته تتردد كلما ذُكر الإبداع الحقيقي.
من يعرف الأهرام، يعرف أن هذه المؤسسة العريقة لم تكن يومًا مجرد جريدة، بل كانت بيتًا كبيرًا خرجت منه أجيال، وتعلمت في جنباته أسماء صنعت مجد الصحافة المصرية. وفي هذا البيت الكبير، كان يحيى زهران واحدًا من أبناء المهنة الأوفياء، الذين أحبوا عملهم بإخلاص نادر، ومنحوه أجمل ما لديهم.
لقد كان الإخراج الصحفي بالنسبة إليه لغة كاملة، لا تقل شأنًا عن المقال والتحقيق والخبر. كان يدرك أن الصفحة السيئة قد تظلم أفضل النصوص، وأن العين تعشق النظام والجمال قبل أن تنصت إلى المعنى. ومن هنا جاء حرصه الدائم على أن يكون لكل عدد شخصيته، ولكل صفحة روحها الخاصة.
وحين اجتمع الحضور في قاعة هيكل، لم يكن الأمر مجرد مناسبة لتوزيع الجوائز. كان الأمر أقرب إلى جلسة وفاء لرجل ترك في النفوس ما لا تتركه المناصب ولا الألقاب. حضر الوزير، وحضر رؤساء التحرير، وحضر الإعلاميون، وحضرت سحر زهران، ابنة الراحل ومدير مكتب الأهرام بواشنطن، لكن الحاضر الأكبر كان صاحب الاسم نفسه، الذي بدا كأن سيرته تسير بين المقاعد، وتطل من الوجوه التي عرفته وأحبته.
في الزمن الذي تتسارع فيه الأشياء، ويجري الناس خلف الأضواء السريعة، تبدو مثل هذه اللحظات ضرورية، لأنها تذكرنا بأن الأمم التي تنسى أبناءها، تفقد جزءًا من ذاكرتها. أما الأمم التي تحفظ الجميل، فإنها تبقى قادرة على صناعة المستقبل.
وما أجمل أن يحمل جيل جديد من المخرجين الصحفيين اسم يحيى زهران وهم يتنافسون على الإبداع، فيعرفون أن هذا الفن لم يولد صدفة، وأن وراء كل صفحة متقنة رجالًا تعبوا وسهروا، حتى خرجت الصحافة المصرية بالصورة التي استقرت في وجدان قرائها.
ربما غاب الرجل عن الدنيا، لكن الغياب ليس نهاية الحكاية. فالذين عاشوا بصدق، لا يرحلون تمامًا.. يبقون في أعمالهم، وفي ذكريات من عرفوهم، وفي محبة الناس لهم. يبقون كما تبقى رائحة الورق القديم في مكتبات العاشقين، وكما يبقى صوت المؤذن في الأزقة العتيقة بعد انصراف المارة.
رحم الله يحيى زهران، الذي لم يكن مجرد مخرج صحفي بارع، بل كان صاحب بصيرة، يعرف أن الجمال رسالة، وأن احترام القارئ يبدأ من احترام الصفحة التي تقع بين يديه ،ورحم الله رجالًا إذا ذكروا، ذكر معهم الإخلاص، وإذا غابوا، بقيت سيرتهم نورًا لا ينطفئ.
وهكذا، لم تكن الجائزة التي حملت اسمه مجرد تكريم، بل كانت شهادة جديدة على أن أصحاب الأثر الجميل لا يغيبون، وأن المهنة الوفية تعرف أبناءها، وترد إليهم الجميل، ولو بعد حين طويل.

