الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: محمود المملوك..بين المعلومة والسلطة والرأي العام

-

ليس من السهل أن تتمكن مؤسسة صحفية في هذا الزمن من أن تفرض خبرًا على الرأي العام، وأن تجعل الجميع، من مسؤولين وإعلاميين ومتابعين، يتوقفون أمام ما نشرته، وأن يتحول خبر واحد إلى قضية وطنية تتصدر النقاشات لساعات وأيام، لكن هذا تحديدًا ما حدث مع موقع "القاهرة 24" ورئيس تحريره محمود المملوك، في أزمة ما أثير حول تعيين 22 مستشارًا ومعاونًا بوزارة الدولة للإعلام.
بعيدًا عن الجدل الذي صاحب الخبر، وبعيدًا عن محاولات البعض اختزال القضية في سؤال: هل كان الخبر صحيحًا أم لا؟ فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن "القاهرة 24" نجح في تحقيق ما تعجز عنه عشرات المؤسسات الإعلامية؛ وهو أن يجعل الدولة، والإعلام، والرأي العام، يدخلون جميعًا في حالة نقاش واسعة حول قضية لم يكن أحد يتحدث عنها قبل نشر الخبر.
هذه هي الصحافة الحقيقية. ليست الصحافة أن تنتظر البيان الرسمي، ولا أن تكتفي بإعادة نشر التصريحات، ولا أن تتحول إلى لوحة إعلانات للمؤسسات. الصحافة الحقيقية هي أن تبحث، وتسأل، وتكشف، وتنشر، وتجعل المجتمع كله يلتفت إلى قضية معينة، وهذا ما فعله محمود المملوك وفريق عمله.
لقد أثبتت أزمة "الـ22 مستشارًا" أن هناك مؤسسات إعلامية ما زالت تؤمن بأن دورها لا يقتصر على نقل ما يُقال، بل يمتد إلى البحث عما لا يُقال، وإلى الوصول إلى المعلومات قبل أن تصبح بيانات رسمية أو تصريحات معلنة. وربما لهذا السبب تحديدًا أثار الخبر كل هذه الضجة، لأن الناس لم تتعامل معه باعتباره منشورًا عابرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما باعتباره خبرًا صادرًا عن مؤسسة صحفية تمتلك من الحضور والتأثير ما يجعلها قادرة على صناعة النقاش العام.
محمود المملوك لم يحقق نجاحه لأنه يكتب ما يريد الناس سماعه، بل لأنه نجح في بناء نموذج صحفي يقوم على الجرأة المهنية، والقدرة على الوصول إلى المصادر، وتحويل المعلومة إلى قضية رأي عام. وهذه ليست مهمة سهلة في عصر أصبحت فيه الأخبار تتدفق بالملايين، وأصبح الجمهور أكثر تشككًا، وأكثر قدرة على التمييز بين الخبر الحقيقي والضجيج الإعلامي.
واللافت في هذه الأزمة أن النقاش لم يكن حول اسم أو اثنين، ولا حول تفاصيل إدارية محدودة، وإنما تحول إلى نقاش أوسع عن إدارة المؤسسات، والإنفاق، وأولويات العمل العام، ودور الإعلام في الرقابة والمتابعة. وهذا وحده يكفي لإثبات أن الخبر نجح في أداء وظيفته الأساسية، وهي إثارة الأسئلة التي تشغل المجتمع.
لقد حاول البعض تصوير ما حدث باعتباره أزمة لمؤسسة صحفية، بينما الحقيقة أن ما حدث كان تأكيدًا على قوة هذه المؤسسة. فالصحافة التي لا تثير الجدل، ولا تدفع المؤسسات إلى التوضيح، ولا تجعل المسؤولين مطالبين بالرد والتعقيب، هي صحافة فقدت جزءًا كبيرًا من وظيفتها. أما الصحافة التي تجعل الجميع يتحدثون، ويعلقون، وينفون، ويوضحون، فهي صحافة ما زالت حية، وما زالت تؤدي دورها.
ومن هنا، فإن الدور الذي لعبه "القاهرة 24" في هذه القضية لا يمكن التقليل منه. فقد نجح الموقع في فرض قضية على جدول الأعمال الإعلامي والسياسي، ونجح في جعل الرأي العام يتابع، ويناقش، ويتساءل، ونجح كذلك في إثبات أن المنصات الصحفية الرقمية لم تعد مجرد وسائل لنقل الأخبار، بل أصبحت قوى حقيقية قادرة على صناعة التأثير.
أما محمود المملوك، فقد أثبت مرة أخرى أنه لا يدير موقعًا إخباريًا فقط، وإنما يدير مشروعًا صحفيًا قائمًا على فكرة أساسية، وهي أن الخبر ليس مجرد معلومة، بل قوة وتأثير ومسؤولية. وهذا ما جعله خلال سنوات قليلة واحدًا من أكثر الأسماء حضورًا في المشهد الإعلامي المصري، وجعل من "القاهرة 24" منصة يصعب تجاوزها أو تجاهل ما تنشره.
إن قيمة الصحفي لا تُحدد بعدد الكلمات التي يكتبها، وإنما بحجم الأثر الذي يتركه. وإذا كان هناك معيار حقيقي لنجاح أي مؤسسة إعلامية، فهو قدرتها على تحريك الرأي العام، ودفع الجميع إلى التعامل مع ما تطرحه من قضايا. ومن هذه الزاوية، فإن ما حدث في أزمة "الـ22 مستشارًا" يمثل انتصارًا واضحًا لفكرة أن الصحافة ما زالت قادرة على التأثير، وما زالت تمتلك القدرة على صناعة الحدث، وليس فقط تغطيته.
ولعل أهم ما كشفته هذه الأزمة هو أن التأثير الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية لا يظهر في الأوقات العادية، وإنما يظهر لحظة الاختبار، فعندما يتحول خبر منشور إلى محور نقاش عام، وعندما تتسابق البرامج والمنصات والصفحات لتحليله ومناقشته، وعندما يصبح الصمت الرسمي نفسه محل تساؤل، فإننا نكون أمام حالة صحفية نجحت في أن تحقق أهم أهدافها: أن تضع قضية ما في قلب اهتمام المجتمع.
لقد اعتاد البعض على التقليل من دور الصحافة الرقمية، واعتبارها مجرد منصات سريعة النشر، لكن ما حدث أثبت أن المؤسسات الصحفية التي تمتلك الخبرة والمصادر والقدرة على قراءة المشهد، يمكنها أن تؤدي دورًا لا يقل أهمية عن أعرق المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل إن سرعة العصر الحالي جعلت من المنصات الرقمية صاحبة الكلمة الأولى في كثير من الأحيان، وصاحبة القدرة الأكبر على صناعة الجدل والتأثير.
وإذا كان هناك درس مهم يمكن استخلاصه من هذه الواقعة، فهو أن المعلومة لا تتحرك وحدها، وإنما تحتاج إلى مؤسسة تمتلك الشجاعة لنشرها، وإلى صحفي يمتلك الثقة في مصادره، وإلى جمهور يثق في المنصة التي يتابعها. وهذه المعادلة الصعبة هي التي نجح محمود المملوك في بنائها على مدار سنوات طويلة، حتى أصبح اسم "القاهرة 24" حاضرًا بقوة في أي حدث أو قضية أو نقاش عام.
وليس سرًا أن الوصول إلى هذه المكانة لم يكن أمرًا سهلًا، فالنجاح في المجال الصحفي لا يتحقق بالشعارات، ولا يتحقق بالظهور الإعلامي، وإنما يتحقق بالعمل اليومي الشاق، وببناء شبكة واسعة من العلاقات والمصادر، وبالقدرة على المتابعة والسبق وقراءة المشهد، وهذه العناصر مجتمعة هي التي منحت "القاهرة 24" مكانته الحالية، وجعلت منه منصة قادرة على أن تفرض نفسها على المشهد الإعلامي.
لقد أثارت قضية المستشارين والمعاونين حالة واسعة من الجدل، لكن هذا الجدل نفسه كان دليلًا على أن المجتمع ما زال يؤمن بأهمية الخبر الصحفي، وما زال يتفاعل مع ما تطرحه المؤسسات المهنية، فالناس لم يناقشوا القضية لأنها شائعة عابرة، وإنما لأنهم تعاملوا معها باعتبارها معلومة تستحق المتابعة والنقاش والتحليل.
وهنا تبرز أهمية الصحافة التي لا تخشى الاقتراب من الملفات الشائكة، ولا تتردد في نشر ما تصل إليه من معلومات، طالما أنها تستند إلى عمل مهني جاد. فالصحافة لم تُخلق لتكون مجرد صدى للأحداث، وإنما لتكون أحد الأطراف الفاعلة في تشكيل الوعي العام، وفي دفع المجتمع إلى التفكير والتساؤل.
لقد أكد محمود المملوك، من خلال تجربته المهنية، أن الصحفي الحقيقي هو من يستطيع أن يجعل الخبر يعيش خارج حدود الشاشة والهاتف المحمول، وأن يحوله إلى قضية يتحدث عنها الجميع. وهذه القدرة لا تُشترى، ولا تُمنح، وإنما تُكتسب عبر سنوات من العمل والمصداقية والاقتراب من نبض الشارع.
قد يختلف البعض مع بعض التقديرات أو مع بعض طرق التناول، لكن أحدًا لا يستطيع أن ينكر أن "القاهرة 24" نجح في أن يصبح أحد أهم الفاعلين في المشهد الإعلامي المصري، وأن يثبت أن الصحافة ما زالت تمتلك القدرة على التأثير، وأن الكلمة المكتوبة ما زالت قادرة على صناعة النقاش، وتحريك الرأي العام، وفرض الأسئلة التي لا يمكن تجاهلها.
هذه هي القيمة الحقيقية لأي مؤسسة صحفية: أن تكون حاضرة عندما يغيب الآخرون، وأن تمتلك الشجاعة عندما يتردد الآخرون، وأن تطرح الأسئلة التي يخشى البعض طرحها. وفي هذا الاختبار تحديدًا، أثبت محمود المملوك و"القاهرة 24" أن الصحافة، عندما تكون مهنية وجريئة ومؤثرة، تستطيع أن تفرض نفسها على المشهد، وأن تظل لاعبًا رئيسيًا في صناعة الوعي وصياغة النقاش العام.
قد تتغير الأخبار، وقد تتبدل الوقائع، وقد تختلف التفسيرات، لكن ما لن يتغير هو أن "القاهرة 24" أثبت مرة أخرى أن الصحافة الحقيقية لا تنتظر أن يُسمح لها بالتأثير، بل تصنع تأثيرها بنفسها، وتفرض حضورها، وتجبر الجميع على الإنصات.