مصطفى صلاح يكتب: إبراهيم عيسى..لدى أقوال أخرى

ليس مقالي هذا دفاعًا عن إبراهيم عيسى، ولا مرافعةً تُكتب لتبرئة مواقفه، كما أنه ليس محاولة للنيل منه أو الانتقاص من تجربته.
فالرجال الذين يتركون أثرًا في الحياة العامة لا تُنصفهم المبالغة في المدح، ولا تحقق العدالة لهم قسوة الهجوم، ولأن اسمه ظل حاضرًا في المشهد الإعلامي سنوات طويلة، ولأن الجدل لا يفارق سيرته، فقد وجدت أن لديَّ أقوالًا أخرى، بعيدة عن الانفعال، وقريبة من القراءة الهادئة.
لديَّ قولٌ أول، وهو أن الكاميرا لا تمنح مودتها لكل من يقف أمامها، فهي تكشف الارتباك، وتفضح التصنع، ولا تخدعها الابتسامات المصنوعة ولا الحركات المحفوظة، أما إبراهيم عيسى، فقد بدا منذ بداياته وكأنه يعرف كيف يخاطب العدسة، فلا يتكلف حضورًا، ولا يستعير شخصية ليست له.. يجلس في مكانه بثبات، ويترك كلماته تؤدي دورها، فتشعر أن الكاميرا لا تلاحقه، بل تنتظره، وهذه ميزة لا يصنعها التدريب وحده، وإنما تصنعها شخصية تمتلك الثقة، وحضور الذهن، والقدرة على الإمساك بانتباه المشاهد من دون صخب أو افتعال.
ولديَّ قولٌ ثانٍ، يتعلق بالفارق بين الصحفي والإعلامي، وهو فارق يغيب عن أذهان كثيرين. فالصحفي رجل بحثٍ وتحقيق، يبدأ رحلته بالسؤال، ويقضي وقته بين الوثائق والمراجع والشهادات، حتى يصل إلى معلومة يطمئن إليها، ثم يضعها في قالب مكتوب. أما الإعلامي، فهو صاحب القدرة على مخاطبة الجمهور، وإدارة الحوار، وتقديم الفكرة بأسلوب يجذب المتلقي ويجعله متابعًا حتى النهاية.
وقد يجتمع الوصفان في شخص واحد، كما اجتمعا في إبراهيم عيسى.. فهو لم يدخل إلى الشاشة من باب الشهرة، وإنما دخل إليها بعد سنوات من العمل الصحفي، لذلك ظل يحمل عقل الصحفي وهو يمارس دور الإعلامي. يقرأ قبل أن يتحدث، ويستند إلى الوقائع قبل أن يبدي رأيه، ويجعل للمعلومة مكانًا يسبق الانفعال، حتى وإن اختلف الناس مع النتائج التي ينتهي إليها.
ولديَّ قولٌ ثالث، وهو أن الرجل يمتلك قدرة ظاهرة على الإقناع. ليس لأنه يفرض رأيه على الآخرين، بل لأنه يحسن ترتيب أفكاره، وينتقل من مقدمة إلى أخرى في تسلسل منطقي يجعل المستمع يتابع حديثه حتى النهاية. وربما تخرج من الحلقة وأنت لا توافقه في كثير مما قال، لكنك لا تستطيع إنكار أنه يعرف كيف يبني حجته، وكيف يعرضها بلغة واضحة، وإيقاع هادئ، وثقة لا تتزعزع.
ولعل هذه القدرة على الإقناع جاءت من سنوات طويلة قضاها بين القراءة والكتابة، فالكاتب الذي عاش عمره بين الكتب والصحف لا يتحدث بعفوية مجردة، بل يحمل في ذاكرته رصيدًا من الوقائع والأفكار، فيستدعيها حين يحتاج إليها، ويجعلها جزءًا من منطقه، لا زينةً يضعها في أثناء الحديث.
ولديَّ قولٌ رابع، وهو أن الجدل الذي يحيط بإبراهيم عيسى لم يكن يومًا حادثًا عابرًا، بل أصبح جزءًا من صورته العامة، فما إن يطرح رأيًا حتى تتعدد الأصوات بين مؤيد يرى أنه يفتح بابًا للنقاش، ومعارض يرى أنه تجاوز حدود المقبول، وربما كان هذا الإختلاف هو الثمن الطبيعي لكل من يقترب من القضايا الحساسة، ويختار أن يعبر عن رأيه بوضوح،
وليس مطلوبًا من الناس أن يتفقوا معه في كل ما يقول، كما أنه ليس مطلوبًا منهم أن يرفضوا كل ما يطرحه، فالأفكار تُناقش بالحجة، ولا تُوزن بميزان المحبة أو الكراهية، ومن الإنصاف أن يُحاكم كل رأي بما يستند إليه من منطق، لا باسم صاحبه، ولا بالشهرة التي تحيط به.
ولديَّ قولٌ خامس، يتعلق بالحوار، فمن يتابع لقاءات إبراهيم عيسى يلاحظ أنه يمنح ضيفه فرصة للكلام، ثم يبدأ في مناقشة ما قاله بهدوء، وقد يعيد السؤال إذا رأى أن الإجابة لم تكن واضحة، لكنه لا يجعل المقاطعة وسيلته لإثبات حضوره، ولا يخلط بين الحزم وسوء الأدب. ولذلك يشعر كثير من ضيوفه أنهم أمام محاور يستمع كما يتحدث، ويناقش كما يعرض، ويبحث عن الفكرة قبل أن يبحث عن الإثارة.
وهذه خصلة تستحق التقدير، لأن الحوار في حقيقته ليس معركة يخرج منها منتصر ومهزوم، وإنما وسيلة للاقتراب من الحقيقة، وتبادل الرأي، واختبار قوة الحجة أمام حجة أخرى.
ولديَّ قولٌ سادس، وهو أن البقاء في المشهد الإعلامي سنوات طويلة ليس أمرًا يتحقق بالمصادفة، فالجمهور قد يمنح الفرصة مرة، لكنه لا يمنحها إلى الأبد، والاستمرار يحتاج إلى جهد متواصل، وتجديد دائم، وقدرة على الاحتفاظ باهتمام المتابعين رغم تغير الأزمنة وتبدل الأذواق. ولهذا بقي اسم إبراهيم عيسى حاضرًا، سواء اتفقت معه أو اختلفت، لأنه استطاع أن يصنع لنفسه شخصية مميزة، لها طريقتها في التفكير، وأسلوبها في الطرح، ونبرتها التي يعرفها المشاهد من الكلمات الأولى.
أما قولي الأخير، فهو أن الشخصيات العامة لا ينبغي أن تُختزل في موقف واحد، ولا في رأي واحد، ولا في حلقة واحدة. فالإنصاف يقتضي أن ننظر إلى التجربة كاملة، بما لها وما عليها. ومن هذه الزاوية أرى أن إبراهيم عيسى صحفي امتلك أدوات مهنته، وإعلامي عرف كيف يخاطب جمهوره، ومحاور يجيد إدارة النقاش، وشخصية أثارت من الجدل ما يكفي ليظل اسمها حاضرًا في ذاكرة المشهد الإعلامي.
تلك هي أقوالي الأخرى، أكتبها بعيدًا عن الخصومة، وبعيدًا عن المجاملة، لأن الكلمة الصادقة لا تنحاز إلا إلى ما تراه حقًا، ولا تبحث إلا عن قراءة منصفة، تُقدِّر التجربة، وتترك للقارئ حق الاتفاق أو الاختلاف.

