آمال البندارى تكتب: عزبة العبيد

لاتزال عزبة العبيد القابعة بقرية الجمالية مركز قوص جنوب محافظة قنا شاهدة على تاريخ طويل من تجارة العبيد التى كانت تأتى من السودان ،واريتريا، واثيوبيا ،وجنوب الصحراء، لاستقدام العبيد للعمل فى المزارع والمصانع، والورش والخدمه داخل البيوت فى مصر، فقد كان من الطبيعى جدا أن يكون لدى كل صاحب ورشة عبد يساعده فى العمل، وكذلك التجار فكان كل تاجر مصرى يمتلك عددا من العبيد، واغلبهم آفارقة، وقد كانت هذه هى طبيعة الحياة فى مصر منذ عهد المصريين القدماء ،وحتى إنتهاء الرق فى مصر بفرمان أصدره الخديوى إسماعيل،ولم تكن حياه الرق فى مصر مثل باقى البلاد ..فلقد كانت مصر دائما صاحبة القيم الإجتماعية، والانسانية ،وتعوم ضد التيار فى أغلب الأحيان حتى فى عصر القرون الوسطى الذى كانت فيه أمريكا وأوروبا تشحن العبيد كالأغنام داخل السفن لاستغلالهم لبناء نهضتها الصناعية والزراعية فاكان العبد فى هذه النهضة يعيش فى زرائب البهائم ويأكل التبن والعلف ،بينما كانت مصر تضع القوانين التى تحميهم من الظلم حتى لو من ظلم المصريين أنفسهم.
فامصر انشئت لهم المحاكم المختصة بشئونهم وكان من حق كل عبد أن يشتكى فى محكمة العبيد من ظلم سيده المصرى ،واذا ثبت للمحكمة ان العبد قد ظلم ..تحكم فورا بعتقه وليس ذلك فاحسب بل كان العبد يتحتفظ بإسم سيده مدى الحياه.
ولم يكتفى المصريون بذلك بل إن بعض الأسر المصرية كانت تورث العبيد فى ورثها وملكتهم الأراضي، وبنت لهم البيوت وزوجتهم ،وزوجت أبنائهم وعلمتهم فى المدارس على نفقتها الخاصة ،ولعل عزبة العبيد فى محافظة قنا الآن هى خير شاهد على ذلك فهى أرض أورثها المصريون لعبيدهم ليبنوا عليها بيوتا يعيشون فيها حياة مستقلة مع أسرهم فلم يكن المصرى يسمح أن يبات عبده داخل زريبة أو فى العراء، ومن المصريين من أوقفوا الأوقاف من مزارع ومنشآت للانفاق على عبيدهم بعد موتهم ،ومن المدهش أنه يوجد حتى الآن عبيد فى الصعيد يعيشون فى كنف العائلات المصرية الكبيرة فهم لا يريدون ترك اسيادهم ولا يقدرون على مواجهه الحياه بمفردهم، ويرفضون الاستقلال عنهم فهم يعتمدون عليهم فى المأكل والمشرب ،وكل نواحى الحياه ..ولكن البعض منهم أراد أن يتخلص من وصم العبودية فنزحوا إلى المدن الكبرى التى لا يعرفهم فيها أحد، وهناك أحد المشهورين الذى يدعى أنه ((رقم واحد )) ويحاول دائما أن يتهرب من جذوره السودانية ،ولكن الوثائق تؤكد أن جده كان عبدا لعائلة "مرسال" وورث إسمها حيث جاء جده إلى مصر من السودان مع العبيد حتى وصل إلى أسيوط التى كانت فى الأزمنة القديمه أحد أكبر أسواق العبيد فى مصر، ومحطة هامة لتوزيعهم داخل مصر ونزحت أسرة ذلك المشهور بعد قرون من العبودية إلى القاهرة مع النازحين للهروب من وصم العبودية ،ولكن على مايبدو أن نفسية العبيد تعيش فى وجدانه مهما حاول التهرب منها فهو يحاول دائما أن يظهر للناس أنه يعيش حياه الملوك والامراء ولكننا جميعا نعرف الحقيقة.

