الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: داليا إبراهيم..ناشرة تؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ من بناء العقل

-

هناك فارق كبير بين من يدير مؤسسة ناجحة، ومن يصنع مدرسة متكاملة في الإدارة، الأول يحافظ على ما ورثه، أما الثاني فيضيف إليه رؤية، ويمنحه قدرة على الإستمرار في زمن تتغير فيه قواعد اللعبة كل يوم، ومن هذا المنطلق يمكن قراءة تجربة الناشرة داليا إبراهيم، رئيس مجلس إدارة مجموعة نهضة مصر، التي اختارت أن تتعامل مع النشر بوصفه قضية تنموية، لا مجرد نشاط اقتصادي، وأن تجعل من الثقافة والتعليم ركيزتين في مشروع واحد عنوانه الإنسان.
ولعل أصعب ما يواجه أي مؤسسة عريقة هو أن تقع أسيرة نجاحها القديم، فالتاريخ يمنح المكانة، لكنه لا يضمن البقاء.. لذلك كان التحدي الحقيقي أمام داليا إبراهيم هو كيفية الحفاظ على إسم صنعه الرواد منذ تأسيس نهضة مصر عام 1938، مع إعادة صياغة دور المؤسسة بما يتوافق مع متطلبات القرن الحادي والعشرين، وهو تحدٍ نجحت في التعامل معه بهدوء، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، وبمنهج يعتمد على التخطيط والاستثمار في المستقبل.
لم تتعامل مع الكتاب باعتباره منتجًا ثقافيًا فحسب، بل بإعتباره الحلقة الأولى في مشروع وطني يبدأ داخل الفصل الدراسي ولا ينتهي عند رفوف المكتبات. فالمعرفة ليست سلعة استهلاكية، وإنما مورد استراتيجي لا يقل أهمية عن أي مورد اقتصادي آخر. وكل دولة تطمح إلى المنافسة في عالم اليوم، لا بد أن تبدأ من المدرسة، ومن جودة التعليم، ومن توفير محتوى معرفي قادر على بناء عقل ناقد، لا مجرد حافظ للمعلومات.
ومن هنا جاء التحول الكبير الذي شهدته مجموعة نهضة مصر، فلم تعد دارًا للنشر بالمعنى التقليدي، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تجمع بين التأليف، والنشر، والتعليم، والإنتاج الرقمي، والتدريب، والاستثمار في التكنولوجيا التعليمية، وهو تحول يعكس إدراكًا بأن مستقبل الثقافة لن يُصنع بالوسائل القديمة وحدها، وأن المؤسسات التي تتوقف عن التطوير، تتوقف عن التأثير.
لقد أدركت داليا إبراهيم أن الثورة الرقمية لم تأتِ لتلغي الكتاب، وإنما لتغير طريقة وصوله إلى القارئ. لذلك لم تدخل في جدل عقيم بين الورق والشاشة، بل اختارت أن توظف التكنولوجيا لخدمة المعرفة. فالمحتوى الجيد يبقى محتوى جيدًا، سواء قُرئ في كتاب مطبوع، أو على جهاز لوحي، أو داخل منصة تعليمية ذكية. وما يهم في النهاية هو جودة الفكرة، وقدرتها على تكوين عقل قادر على الفهم والتحليل والإبداع.
ومن أهم ملامح تجربتها أنها ربطت بين النشر وريادة الأعمال، وهو اتجاه لم يكن مألوفًا في المؤسسات الثقافية العربية. فقد آمنت بأن الابتكار لا يقتصر على المختبرات العلمية، وإنما يمكن أن يكون حاضرًا أيضًا في صناعة التعليم. ولهذا جاء تأسيس شركة "إدفينتشرز" ليعكس رؤية جديدة، ترى أن دعم الشركات الناشئة في مجال تكنولوجيا التعليم هو استثمار مباشر في مستقبل الأجيال، وليس مجرد نشاط اقتصادي يبحث عن عائد مالي.
هذه الفلسفة جعلت نهضة مصر تتجاوز دور الناشر التقليدي، لتصبح شريكًا في تطوير المنظومة التعليمية، والمساهمة في إعداد مناهج أكثر حداثة، وإنتاج أدوات تعليمية تتناسب مع طبيعة العصر. وهي خطوة تؤكد أن التعليم لم يعد مسؤولية الدولة وحدها، بل هو مسؤولية مشتركة بين المؤسسات العامة والقطاع الخاص، متى توفرت الرؤية والالتزام.
ولم يكن غريبًا بعد ذلك أن تحظى داليا إبراهيم بحضور مؤثر في دوائر صنع القرار المتعلقة بالتعليم وريادة الأعمال، وأن تشارك في العديد من المجالس واللجان المعنية بالتنمية والابتكار. فالخبرة التي تراكمت عبر سنوات من العمل في قطاع المعرفة جعلتها صوتًا مسموعًا في القضايا المرتبطة ببناء الإنسان، وهو الملف الذي يمثل جوهر أي مشروع تنموي حقيقي.
ومن يراجع مسيرة نهضة مصر خلال السنوات الأخيرة، يكتشف أن المؤسسة لم تكتفِ بالحفاظ على مكانتها التاريخية، بل نجحت في توسيع مجالات عملها، والدخول إلى قطاعات جديدة، وعقد شراكات مع مؤسسات عالمية، بما أتاح للقارئ العربي الوصول إلى محتوى عالمي مترجم، إلى جانب استمرارها في دعم المؤلف المصري والعربي، وإصدار مئات الكتب التي تخاطب مختلف الفئات العمرية.
وليس من قبيل المصادفة أن تقود المجموعة إلى الفوز بعشرات الجوائز المحلية والدولية، أو أن تحصد هي شخصيًا جوائز مرموقة في مجال النشر وريادة الأعمال. فالجوائز لا تصنع النجاح، لكنها تعكس حجم التقدير الذي تحظى به التجارب الجادة، حين تقترن بالرؤية والعمل والنتائج.
إن القراءة المتأنية لتجربة داليا إبراهيم تكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن الثقافة لم تعد منفصلة عن الاقتصاد، وأن التعليم أصبح أحد أهم محركات التنمية. فكل جنيه يُنفق على المعرفة، هو استثمار في تقليل الفقر والبطالة والتطرف، وكل كتاب جيد يصل إلى طفل، هو خطوة نحو مواطن أكثر وعيًا وانتماءً وقدرة على المشاركة في بناء وطنه.
لقد نجحت في كسر الصورة النمطية للناشر الذي ينتظر المؤلف حتى يأتي إليه، وقدمت نموذجًا أكثر ديناميكية، يذهب إلى الأفكار الجديدة، ويحتضن المبدعين، ويبحث عن أدوات مختلفة لإيصال المعرفة إلى المجتمع. وهي فلسفة تؤكد أن صناعة النشر لا يمكن أن تستمر بالعقلية نفسها التي كانت سائدة قبل عقود، لأن القارئ نفسه تغير، ووسائل التعلم تغيرت، والعالم كله تغير.
وربما تكمن القيمة الحقيقية لهذه التجربة في أنها لم تفصل بين النجاح المهني والمسؤولية المجتمعية. فالنجاح في عالم الأعمال لا يكتمل إذا لم ينعكس أثره على المجتمع. ولهذا ارتبط اسم داليا إبراهيم بدعم المبادرات التعليمية، وتمكين الشباب، وتشجيع الابتكار، وفتح المجال أمام الشركات الناشئة لتقديم حلول جديدة لمشكلات التعليم، وهو توجه يعكس إيمانًا بأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان.
ولا يسع المنصف، وهو يتأمل هذه المسيرة، إلا أن يقدر ما قدمته داليا إبراهيم لصناعة النشر والتعليم في مصر. فقد استطاعت أن تجمع بين عقلية الناشر، ورؤية المستثمر، ورسالة المثقف، دون أن تطغى واحدة على الأخرى. ولم يكن نجاحها وليد الصدفة أو نتاج اسم عريق فحسب، بل ثمرة عمل متواصل، وإيمان بأن المعرفة هي الاستثمار الأكثر بقاءً. وقد أثبتت أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد المناصب أو الجوائز، وإنما بقدرتها على صناعة أثر يبقى في المجتمع، وبما تتركه من مؤسسات أكثر قوة، وأفكار أكثر رسوخًا، وأجيال أكثر وعيًا.
ولا يمكن الحديث عن داليا إبراهيم باعتبارها مجرد رئيسة لمجلس إدارة مؤسسة عريقة، فذلك وصف لا يحيط بتجربتها فهي تنتمي إلى جيل من القيادات أدرك أن المعرفة هي الثروة الوحيدة التي تزداد كلما أنفقنا منها، وأن الكتاب ليس أوراقًا مجلدة، بل مشروع لبناء عقل، وأن المدرسة ليست مبنى، بل مصنع للمستقبل، ومن هنا جاءت أهمية تجربتها، التي تقدم نموذجًا مصريًا يؤكد أن الاستثمار في الثقافة والتعليم ليس ترفًا، وإنما هو الطريق الأقصر إلى بناء دولة قوية، قادرة على المنافسة، وحماية هويتها، وصناعة مستقبلها بعقول أبنائها قبل أي شيء آخر.