الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: رحمة محسن ليست وحدها.. ونقابة المهن الموسيقية مطالبة بحماية كرامة الفنان

-

في السنوات الأخيرة، لم تعد معركة الفنان تقتصر على المنافسة في تقديم عمل جيد أو الحفاظ على نجاحه، بل أصبحت هناك معركة أخرى أكثر قسوة، يخوضها كل يوم أمام شاشات الهواتف، حيث تتحول مواقع التواصل الاجتماعي أحيانًا ا إلى ساحات للتجريح والتنمر والإساءة، بعيدًا عن أي نقد فني حقيقي.
وما تعرضت له الفنانة رحمة محسن أعاد فتح هذا الملف المؤلم من جديد، فبغض النظر عن إختلاف الأذواق، يبقى الإحترام هو الحد الأدنى الذي يجب ألا يتجاوزه أحد، من حق أي شخص أن يحب فنانًا أو يرفض لونًا غنائيًا أو يختلف مع أداء معين، لكن ليس من حق أحد أن يحول هذا الإختلاف إلى إساءة أو تشهير أو حملة تستهدف النيل من كرامة إنسان.
وسط كل هذا الضجيج، تبقى رحمة محسن واحدة من الأصوات التي استطاعت أن تفرض نفسها بموهبتها واجتهادها، لا بضجيج مواقع التواصل ولا بافتعال الأزمات، نجحت في تكوين قاعدة جماهيرية واسعة لأنها خاطبت الناس ببساطة وإحساس صادق، وقدمت لونًا غنائيًا وصل إلى قلوب الجمهور دون تكلف، قد يختلف البعض مع اختياراتها الفنية، وهذا حقهم، لكن لا أحد يستطيع أن ينكر أنها تمتلك موهبة حقيقية، وأن نجاحها جاء نتيجة عمل واجتهاد وإصرار، لا نتيجة حملات دعائية أو ضجيج إعلامي ، ومن حق أي فنان مجتهد أن يحظى بالنقد الموضوعي، لا أن يكون هدفًا للإساءة أو التشهير أو التنمر، لأن احترام الفنان هو احترام للفن نفسه، واحترام لكل رحلة كفاح تقف خلف النجاح.
النقد الحقيقي يناقش العمل، ويحلل الأداء، ويقترح الأفضل،أما حملات السخرية والتجريح والتنمر، فلا علاقة لها بالفن ولا بحرية الرأي، بل تعكس حالة من الانحدار الأخلاقي الذي أصبح يهدد المجال العام كله، وليس الوسط الفني وحده.
وهنا يبرز سؤال مشروع: أين دور المؤسسات المهنية في حماية أبنائها؟
نقابة المهن الموسيقية ليست مجرد جهة تمنح تصاريح أو تنظم العمل، بل هي بيت الفنانين، وصوتهم عندما يتعرضون للأذى، ومن حق أعضاء النقابة أن يشعروا بأن هناك مؤسسة تقف إلى جوارهم، لا سيما عندما تتجاوز الانتقادات حدود الرأي إلى الإساءة الشخصية أو حملات التشهير.
لسنا بصدد المطالبة بتكميم الأفواه، ولا بمنع الجمهور من التعبير عن رأيه، فحرية النقد قيمة لا يمكن المساس بها. لكن الحرية لا تعني الفوضى، والرأي لا يعني الإهانة، والاختلاف لا يبرر التنمر.
ومن هنا، فإن نقابة المهن الموسيقية مطالبة اليوم بتبني موقف أكثر وضوحًا في مواجهة حملات الإساءة التي قد يتعرض لها أعضاؤها، سواء عبر تقديم الدعم القانوني، أو إصدار بيانات ترفض التجاوز، أو التنسيق مع الجهات المختصة عندما تتحول بعض الممارسات إلى أفعال قد يجرمها القانون.
ولا تقف المسؤولية عند حدود النقابات الفنية وحدها، بل تمتد أيضًا إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بوصفه إحدى الجهات المعنية بحماية المشهد الإعلامي من الممارسات التي تسيء إلى المجتمع وقيمه، فالمطلوب هو التعامل بحزم، وفي إطار القانون، مع الصفحات والمنصات التي يثبت أنها تمارس حملات منظمة للتنمر أو التشهير أو نشر المحتوى المسيء ضد الفنانين المصريين، واتخاذ الإجراءات القانونية والتنظيمية المناسبة كلما كان ذلك من اختصاص المجلس والجهات المعنية.

فالفنان المصري ليس مجرد شخص يقدم عملًا فنيًا، بل هو أحد الوجوه التي تعكس صورة مصر الثقافية والحضارية أمام العالم، والإساءة الممنهجة إليه لا تمس فردًا بعينه، وإنما تسيء إلى قيمة الفن المصري ورموزه.

إن حماية المبدعين من حملات التشهير ليست دفاعًا عن أشخاص، بل دفاع عن القوة الناعمة المصرية التي كانت ولا تزال أحد أهم أعمدة تأثير الدولة المصرية في محيطها العربي والإقليمي،
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال التجربة التي قدمتها نقابة المهن التمثيلية بقيادة الفنان أشرف زكي، الذي عُرف بمساندته لأعضاء النقابة عندما يتعرضون لأزمات أو حملات إساءة، مع اختلاف كل حالة عن الأخرى.. هذه الروح في الدفاع عن أبناء المهنة تعكس فهمًا حقيقيًا لدور النقابة، باعتبارها سندًا لأعضائها، لا مجرد جهة إدارية.
الفنان ليس آلة لإنتاج الأغاني أو الأعمال الفنية، بل إنسان له كرامة ومشاعر وأسرة. وعندما يتحول إلى هدف دائم للتنمر، فإن الخسارة لا تقع عليه وحده، بل تمتد إلى المناخ الثقافي والفني كله، لأن الخوف من الإساءة قد يدفع البعض إلى الانزواء أو التردد في تقديم تجارب جديدة.
المؤسف أن بعض الحسابات على مواقع التواصل أصبحت تراهن على إثارة الجدل واستغلال الأزمات لتحقيق الانتشار، وهو ما يغذي خطاب الكراهية ويشجع على مزيد من التجاوز. ولهذا، فإن المواجهة لا تكون بالصمت، وإنما بالوعي، وتطبيق القانون عندما يكون هناك تجاوز، وترسيخ ثقافة تحترم الإنسان قبل الفنان.
رحمة محسن ليست أول فنانة تتعرض للإساءة، وربما لن تكون الأخيرة إذا استمرت هذه الظاهرة دون مواجهة حقيقية. واليوم قد تكون هي المستهدفة، وغدًا قد يكون غيرها، لذلك فإن القضية ليست قضية اسم بعينه، وإنما قضية مبدأ يجب أن يلتف حوله الجميع.
إن حماية الفنانين لا تعني منحهم حصانة ضد النقد، وإنما تعني وضع حد فاصل بين النقد المشروع والإساءة المرفوضة. فالمجتمع الذي يحترم المبدعين هو مجتمع يحترم نفسه، أما المجتمع الذي يسمح بتحويلهم إلى أهداف للتشهير والتنمر، فإنه يدفع ثمنًا ثقافيًا وأخلاقيًا باهظًا.
الرسالة اليوم إلى نقابة المهن الموسيقية واضحة: تحركوا، ليس دفاعًا عن فنانة بعينها، وإنما دفاعًا عن قيمة الفن، وعن كرامة كل من يحمل رسالة الإبداع.. المطلوب موقف يبعث برسالة أن الفنان المصري لن يُترك وحيدًا أمام حملات الإساءة، وأن النقابة ستكون دائمًا ظهيرًا لأعضائها.
كما أن الرسالة موجهة أيضًا إلى جمهور الفن، الذي كان وسيظل القوة الحقيقية التي تحمي الإبداع. فالجمهور الواعي يعرف كيف يفرق بين النقد المحترم والتجريح، وبين الاختلاف في الذوق والإساءة إلى الأشخاص.

سيبقى الفن رسالة راقية، ولن ترتقي هذه الرسالة إلا إذا ارتقى الخطاب المحيط بها، وعندما تتكاتف النقابات، والإعلام، والجمهور، من أجل ترسيخ ثقافة الإحترام، سيكون الجميع قد انتصر للفن، وللقيم، وللإنسان.