مصطفى صلاح يكتب: معلمة الأجيال..كيف صنعت الدكتورة نبيلة حسن مدرسة فى الفنون المسرحية؟

ليس من السهل أن يترك أستاذ جامعي أثرًا يتجاوز قاعات الدراسة، فالمعرفة يمكن نقلها في محاضرة، أما صناعة الإنسان فهي رحلة تحتاج إلى سنوات من الصبر والخبرة والإيمان بالرسالة، وهذا ما يجعل الحديث عن الدكتورة نبيلة حسن سلام يتجاوز تعداد المناصب التي شغلتها أو الشهادات التي حصلت عليها، إلى الحديث عن مشروع أكاديمي وفني أسهم في إعداد أجيال من الممثلين والمخرجين والباحثين، ورسخ فكرة أن الفن لا يزدهر إلا إذا استند إلى تعليم جاد ورؤية واضحة.
اختارت الدكتورة نبيلة حسن سلام منذ بداياتها أن يكون العلم هو الطريق إلى الإبداع ،لذلك جاء حصولها على درجة الدكتوراه من جامعة الأوتونوما بمدريد عن رسالتها حول «تقنيات الإخراج في مسرح الطفل» تعبيرًا عن اهتمامها بمجال شديد الأهمية، كثيرًا ما يُنظر إليه باعتباره نشاطًا ترفيهيًا، بينما هو في حقيقته أحد أهم أدوات تشكيل الوعي وبناء الشخصي، فالطفل الذي يتذوق المسرح منذ سنواته الأولى يكتسب القدرة على التخيل، وإحترام الحوار، والانفتاح على الآخر، وهي قيم يحتاج إليها أي مجتمع يسعى إلى صناعة مستقبل أكثر وعيًا.
ولم تتوقف هذه الرؤية عند حدود البحث العلمي، بل تحولت إلى ممارسة يومية داخل قاعات الدراسة، فقد آمنت بأن الطالب في معهد الفنون المسرحية لا يحتاج إلى من يلقنه المعلومات بقدر حاجته إلى من يفتح أمامه أبواب التفكير، ويعلمه كيف يحلل النص، ويقرأ الشخصية، ويفهم العلاقة بين الفن والمجتمع. فالمسرح ليس حفظًا للنصوص ولا استعراضًا للموهبة، بل هو علم وفكر وانضباط وثقافة، وكلما امتلك الفنان هذه العناصر، ازدادت قدرته على تقديم عمل يبقى في ذاكرة الجمهور.
ومن هنا اكتسبت مكانتها داخل أكاديمية الفنون، حيث جمعت بين دور الأستاذ والباحث والإداري. وعندما تولت رئاسة قسم التمثيل، ثم وكالة المعهد، ثم عمادة المعهد العالي للفنون المسرحية بالإسكندرية، لم تتعامل مع هذه المسؤوليات باعتبارها مناصب تمنح صاحبها مكانة، بل باعتبارها فرصة لتطوير العملية التعليمية، وتعزيز قيمة البحث العلمي، وإيجاد بيئة أكاديمية تحفز الطلاب على الإبداع والابتكار.
كما أن تجربتها في الإشراف على المركز القومي لثقافة الطفل عكست اتساع رؤيتها لدور الفن في المجتمع، فالاهتمام بثقافة الطفل ليس مشروعًا ثقافيًا فحسب، بل هو استثمار في الإنسان، والمجتمعات التي تمنح أطفالها فنًا راقيًا، إنما تؤسس لمواطن أكثر وعيًا وقدرة على التفكير، وهو ما يجعل العمل في هذا المجال مسؤولية وطنية قبل أن يكون مهمة إدارية.
ولعل من أبرز ما يميز مسيرتها أنها لم تحصر خبرتها داخل مؤسسة واحدة، بل انتقلت بين عدد من الجامعات المصرية، وأسهمت في التدريس والإشراف العلمي في أكثر من مكان، وهو ما أتاح لها الاحتكاك بتجارب متنوعة، ونقل خبراتها إلى أعداد كبيرة من الطلاب. وهذا التنوع منحها رؤية أوسع لاحتياجات التعليم المسرحي، ورسخ قناعتها بأن تطوير الفنان يبدأ من تطوير المؤسسة التعليمية نفسها، ومن تحديث المناهج، وربطها بالمتغيرات التي يشهدها المسرح محليًا وعالميًا.
ولا يمكن الحديث عن الفنون المسرحية في مصر دون التوقف أمام أهمية الدور الذي يقوم به الأكاديميون.. فخشبة المسرح لا تنجب نجومها من فراغ، وإنما تقف وراء كل تجربة ناجحة سنوات من التعليم والتدريب والتوجيه، لذلك فإن الأستاذ الذي يكتشف الموهبة، ويمنحها الثقة، ويعلمها احترام المهنة، يؤدي دورًا لا يقل أهمية عن دور الفنان الذي يقف أمام الجمهور.
وفي وقت تواجه فيه الفنون تحديات متزايدة، سواء بسبب التحولات الرقمية أو تغير ذائقة الجمهور أو اتساع المنافسة، يصبح وجود قيادات أكاديمية تمتلك الخبرة والرؤية أمرًا ضروريًا للحفاظ على جودة التعليم الفني، فالمعهد ليس مجرد مكان لمنح الشهادات، بل هو مصنع للمواهب، وكلما ارتفع مستوى التعليم داخله، انعكس ذلك على مستوى الحركة المسرحية بأكملها.
لقد أثبتت تجربة الدكتورة نبيلة حسن سلام أن الاستثمار الحقيقي في الفن يبدأ من الاستثمار في الإنسان، وأن بناء الفنان لا يقل أهمية عن إنتاج العمل الفني نفسه. فالمسرح الذي يقوم على المعرفة يملك فرصة أكبر للبقاء، والفنان الذي يتخرج من مؤسسة تحترم العلم يكون أكثر قدرة على تطوير أدواته، وأكثر وعيًا بدوره الثقافي والمجتمعي.
لهذا فإن قيمة الدكتورة نبيلة حسن سلام لا تكمن فقط في المناصب التي تقلدتها أو الشهادات التي حصلت عليها، وإنما في الأثر الذي تركته داخل المؤسسات التي عملت بها، وفي الأجيال التي تعلمت على يديها، وفي إيمانها الدائم بأن المسرح رسالة، وأن الأستاذ الحقيقي هو الذي يغادر طلابه قاعة الدرس وهم أكثر قدرة على التفكير والإبداع مما كانوا عليه عند دخولها. وهذا هو الإرث الذي يبقى، لأنه لا يُقاس بالسنوات، بل بما يتركه الإنسان من أثر في العقول والوجدان.
واليوم، وهي تتولى رئاسة أكاديمية الفنون، تبدو أمامها مسؤولية جديدة لا تقتصر على إدارة مؤسسة عريقة، بل تمتد إلى رسم ملامح مستقبل التعليم الفني في مصر، والحفاظ على مكانة الأكاديمية باعتبارها منارة لتخريج أجيال تحمل رسالة الفن وتدرك قيمته في بناء الإنسان والمجتمع.


