مصطفى صلاح يكتب: علا شوشة ..إمرأة لاتطفئها العواصف

«وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي.. ولكن تُؤخذُ الدنيا غِلابا».
ربما لم يكن أحمد شوقي يكتب عن علا شوشة حين قالها، لكنه ترك وراءه بيتًا يصلح لأن يصبح عنوانًا لحكاية كل إنسان اختار أن يمضي في الطريق الصعب، وألا ينتظر أن تُفتح له الأبواب من تلقاء نفسها، فبعض النجاحات لا تأتي إلى أصحابها وهي تحمل باقات الزهور، وإنما تأتي بعد طريق طويل من التعب، وبعد أيام يضطر فيها الإنسان إلى أن يثبت لنفسه قبل الآخرين أنه قادر على الاستمرار.
ومن هنا يمكن أن نقرأ تجربة الإعلامية علا شوشة، لا باعتبارها مجرد مذيعة تقف أمام الكاميرا، ولا باعتبار برنامجها «الشفرة» مجرد مساحة تلفزيونية أخرى تضاف إلى عشرات البرامج التي تعبر الشاشات كل يوم، وإنما باعتبارها تجربة امرأة اختارت أن يكون لها حضورها الخاص، وأن تبحث عن مكانها وسط زحام إعلامي لا يرحم، حيث لا يكفي أن تمتلك الصوت، لأن الأهم أن تمتلك ما يستحق أن يقال.
النجاح في الإعلام ليس مقعدًا ثابتًا، ولا شهادة تُعلق على الجدار، ولا لحظة تصفيق تنتهي بانتهاء الحلقة. النجاح الحقيقي امتحان يتجدد كل يوم. في كل مرة تضاء فيها الكاميرا، يجد الإعلامي نفسه أمام جمهور يستطيع أن يمنحه ثقته، ويستطيع في اللحظة نفسها أن يسحبها. ولذلك فإن الاستمرار في حد ذاته يصبح شهادة، إذا كان قائمًا على العمل، والقدرة على التطور، والإيمان بما يقدمه الإنسان.
وفي «الشفرة» تبدو علا شوشة وكأنها وجدت المساحة التي تستطيع من خلالها أن تقول إن الإعلام ليس مجرد حديث أمام الكاميرا، وإنما مسؤولية تجاه السؤال، وتجاه الحقيقة، وتجاه المشاهد الذي لم يعد يقبل أن يكون مجرد رقم في دفاتر نسب المشاهدة.
فالبرنامج الذي يحمل اسم «الشفرة» يحمل في اسمه شيئًا من فلسفته؛ فالشفرة هي الشيء الذي يحتاج إلى قراءة، والذي لا يكشف أسراره من النظرة الأولى. وهي كذلك استعارة تصلح للإعلام نفسه؛ لأن وراء كل قضية تفاصيل، ووراء كل خبر حكاية، ووراء كل صمت سؤالًا مؤجلًا.
وهنا تصبح مهمة الإعلامي أكثر صعوبة من مجرد طرح الأسئلة. عليه أن يعرف أي الأسئلة يستحق أن يُطرح، ومتى يطرح السؤال، وكيف ينصت إلى الإجابة، وكيف يميز بين الحقيقة التي تحتاج إلى إضاءة وبين الضجيج الذي لا يحتاج إلا إلى مزيد من التجاهل.
ولعل ما يلفت النظر في تجربة علا شوشة أنها لم تجعل الحضور التلفزيوني غاية في ذاته، وإنما حاولت أن تجعل من الحضور وسيلة للوصول إلى موضوعات وقضايا تمس الناس ،وهذه هي المنطقة التي يبدأ عندها الإعلام في استعادة معناه؛ حين يشعر المشاهد أن ما يراه على الشاشة له علاقة بحياته، بمخاوفه، بأسئلته، وبالأشياء التي يبحث لها عن تفسير.
لكن الطريق إلى النجاح لا يكون دائمًا مستقيمًا.
هناك دائمًا من يراقب التجربة، ومن ينتظر لحظة التعثر، ومن يتعامل مع نجاح الآخرين باعتباره استفزازًا شخصيًا. وهذه طبيعة الحياة في كل مجال، وفي الإعلام بصورة خاصة، لأن الشاشة تجعل النجاح مرئيًا، وتجعل المنافسة أكثر وضوحًا، وتجعل كل خطوة محسوبة أمام جمهور واسع.
وهنا تظهر قيمة الصمود.
الصمود ليس أن يعيش الإنسان بلا عواصف، وإنما أن يعرف كيف يقف عندما تهب العاصفة. وليس أن يخلو الطريق من العقبات، وإنما أن يواصل السير رغم وجودها. وليس أن يصفق لك الجميع، فذلك أمر لم يحدث حتى لأعظم الذين مروا على هذه الأرض، وإنما أن تظل قادرًا على معرفة لماذا بدأت، ولماذا ينبغي أن تستمر.
ولهذا فإن علا شوشة لا تحتاج إلى صورة مثالية لا تعرف التعب، بل تحتاج إلى صورة إنسانية أكثر صدقًا؛ امرأة تعمل، وتجتهد، وتواجه، وتخطئ أحيانًا وتصيب أحيانًا، لكنها لا تجعل من العثرات نهاية الطريق.
وهذا هو المعنى الحقيقي لبيت شوقي: «وما نيل المطالب بالتمني».
فالأمنيات وحدها لا تصنع إعلامية ناجحة، كما أن الطموح وحده لا يصنع برنامجًا ناجحًا.. هناك ساعات من التحضير، وأسئلة تُكتب وتُراجع، ومواقف تحتاج إلى قرار، وضغوط تحتاج إلى أعصاب هادئة، وجمهور لا يمنح ثقته بسهولة.
ثم يأتي الشطر الآخر: «ولكن تؤخذ الدنيا غلابا».
ليس المقصود بالغلبة هنا أن يهزم الإنسان الآخرين، وإنما أن ينتصر على خوفه، وعلى تردده، وعلى لحظات الإحباط التي تقول له إن الطريق أصعب مما يحتمل. أن ينتصر على تلك الرغبة في الانسحاب عندما يصبح الاستمرار مؤلمًا.
ومن هنا يمكن فهم معنى الصمود في تجربة علا شوشة.
فليس كل من يظهر على الشاشة حاضرًا بالفعل، وليس كل من يتحدث يترك أثرًا.. الحضور الحقيقي هو أن يكون لك صوت يعرفه الناس، وأن يكون لهذا الصوت مضمون، وأن يستطيع المشاهد أن يميزك وسط عشرات الأصوات دون أن يحتاج إلى معرفة اسم البرنامج.
و«الشفرة» اليوم ليست مجرد اسم لبرنامج؛ إنها جزء من رحلة إعلامية تسعى علا شوشة من خلالها إلى تثبيت حضورها، وإلى أن تقول إن الشاشة لا تزال قادرة على صناعة علاقة حقيقية مع الجمهور حين يكون وراءها إنسان يؤمن بما يفعل.
وربما كانت أجمل الأشياء في هذه التجربة أن النجاح لم يأتِ في صورة ضربة واحدة، وإنما في صورة تراكم؛ حلقة تترك أثرًا، ثم حلقة أخرى، ثم جمهور يبدأ في المتابعة، ثم اسم يصبح حاضرًا، ثم برنامج يجد لنفسه مكانًا بين البرامج.
هكذا تُبنى التجارب الحقيقية: خطوة وراء خطوة، لا قفزة واحدة.
ولأن المرأة التي تصنع نجاحها وسط المنافسة لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها كي تثبت قوتها، فإن قوة علا شوشة الحقيقية ليست في أن تقول إنها قوية، وإنما في أن تترك تجربتها تتحدث عنها.
هناك نساء يشبهن الأشجار التي تنمو في الأرض الخصبة، ونساء أخريات تشبههن الأشجار التي تتعلم كيف تمد جذورها بين الصخور. الأولى جميلة، أما الثانية فلها حكاية.
وعلا شوشة، في تجربتها الإعلامية، اختارت أن تكتب حكايتها بنفسها.
حكاية امرأة تعرف أن الطريق لن يكون دائمًا سهلًا، وأن النجاح لا يأتي لمن ينتظرونه، وأن العواصف ليست دليلًا على أن الرحلة خاطئة أحيانًا تكون العاصفة هي التي تكشف معدن المسافر.
ولهذا يظل بيت شوقي صالحًا لأن يكون مفتاحًا لهذه الحكاية:
«وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي
ولكن تُؤخذُ الدنيا غِلابا».
فمن أراد أن يظل واقفًا في هذا العالم، عليه أن يتعلم كيف يمضي رغم الريح. ومن أراد أن ينجح في الإعلام، عليه أن يدرك أن الكاميرا لا تصنع الموهبة، وإنما تكشفها، وأن الأضواء لا تمنح الإنسان قيمته، وإنما تكشف ما إذا كان يمتلك قيمة تستحق أن تُرى،
أما علا شوشة، فقصتها لم تنته بعد.
«الشفرة» فصل من فصولها، وربما كانت الفصول القادمة أكثر أهمية؛ لأن النجاح الحقيقي ليس أن تصل إلى مكان، وإنما أن تعرف كيف تحافظ على مكانك دون أن تفقد نفسك.
وهنا تصبح الحكاية أبعد من برنامج، وأكبر من شاشة،
إنها حكاية امرأة اختارت ألا تنتظر الحياة حتى تمنحها ما تريد، بل مدت يدها إلى الطريق، ومضت.
وذلك، في أبسط معانيه، هو معنى أن تؤخذ الدنيا غِلابًا.


