الموجز اليوم
الموجز اليوم

حمدية عبد الغنى تكتب: من يسئ إلى رموز الفن ..الجمهور أم الفن نفسه؟

-

أثارت المذكرة التي تقدم بها النائب ياسر جلال بشأن ظاهرة التجاوز والإساءة عبر منصات التواصل الإجتماعي بحق عدد من رموز الفن والشخصيات العامة، قضية تستحق التوقف أمامها، ليس دفاعا عن الإساءة أو التشهير، فالنقد حق، لكن التجاوز ليس نقدا، وحرية التعبير لا تعني إهانة الآخرين أو الإعتداء على كرامتهم.

لكن بعيدا عن الشكوى نفسها، هناك سؤال آخر ربما يستحق أن نطرحه على أنفسنا.. عن أي رموز للفن نتحدث؟هل نتحدث عن رموز صنعت وجدان أجيال كاملة، مثل أم كلثوم وعبد الوهاب والعندليب وغيرهم ، أم نتحدث عن بعض نجوم اليوم الذين أصبح معيار شهرتهم عدد المتابعين ونسب المشاهدة وحجم الأجر، بينما تراجع في أحيان كثيرة معيار القيمة الفنية؟.

كان لدينا زمن مختلف، كانت فيه القوة الناعمة المصرية حاضرة بقوة، وكان الفنان جزء من حركة ثقافية وفنية أكبر لها تأثيرها في المجتمع والمنطقة العربية.

كانت أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم رموز تتجاوز شهرتهم حدود الغناء، وكان نجيب محفوظ ويوسف السباعي وغيرهما من المبدعين أصحاب مشروع حقيقي ترك أثر في الثقافة والوعي العام،لم تكن الشهرة وقتها مجرد تريند ينتهي بعد أيام، وإنما كانت قيمة تصنعها الموهبة ويثبتها الزمن.

أما اليوم فقد تاهت بوصلة الفن في كثير من الأحيان وسط سباق محموم نحو التريند والمشاهدات والإعلانات، وتحول جزء من المحتوى إلى ما يشبه "الوجبة السريعة" أو" التيك واى" يستهلكها الجمهور سريعا ثم تختفي بنفس السرعة دون أن تترك أثرا حقيقيا.

ولا يعني ذلك أن كل ما يقدم اليوم سيئ، فما زالت هناك أعمال وفنانون يحترمون موهبتهم وجمهورهم، لكن المشكلة في إنتشار نموذج آخر أصبح يفرض نفسه بقوة، ويقدم أحيانا محتوى مبتذل أو مستفز، وكأن النجاح وحده يمنح صاحبه الحق في أن يقدم أي شيء.

المشكلة ليست في أن يحقق الفنان نجاح أو يحصل على أجر كبير فهذا حقه، وليست في أن يعيش حياة مختلفة عن المواطن البسيط، لكن المشكلة تبدأ عندما ينفصل الفنان تماما عن المجتمع الذي صنع نجوميته.

كيف يشعر المواطن الذي يكافح يوميا من أجل توفير احتياجات أسرته، أو شاب يعمل لساعات طويلة مقابل أجر بالكاد يكفيه، عندما يرى إستعراض مبالغ فيه للثروات والملايين؟.

ليس مطلوب من الفنان أن يعيش حياة الفقراء حتى يشعر بهم، لكنه مطالب بأن يدرك أن الشهرة مسؤولية، وأن الفن في الأساس رسالة، وأن القوة الناعمة الحقيقية لا تقاس بعدد المتابعين، وإنما بحجم تأثيرها في الناس وما تتركه في وجدانهم.

وإذا كان الفنان والنائب ياسر جلال يشكو الجمهور إلى الهيئة الوطنية للإعلام ووزير الدولة للإعلام، فإلى من يشكو الجمهور من بعض من يقدمون له فن مبتذل، أو محتوى يسيء إلى الذوق العام ويضر أكثر مما ينفع؟ هل يشكو إلى جهة أخرى؟ أم يكتفي بأن يشكو إلى الله سبحانه وتعالى؟.

الفنان ليس فوق النقد، كما أن الجمهور ليس فوق القانون،لكن لابد أن تكون هناك مساحة تحترم فيها حرية الإبداع، وفي الوقت نفسه لا تتحول هذه الحرية إلى مبرر لتقديم محتوى يسيء إلى المجتمع أو يستخف بعقول الناس.

لقد مضى زمن كانت فيه أسماء قليلة قادرة على أن تمثل مصر فنيا وثقافيا في العالم العربي، وأن تترك أثر يمتد لعقود ، أما الآن فقد أصبح من الصعب أن نتحدث عن رموز كثيرة بالمعنى الحقيقي للكلمة، بينما أصبح التريند في أحيان كثيرة أسرع من الموهبة، والشهرة أسرع من القيمة.

ولذلك قبل أن نسأل من أساء إلى رموز الفن؟ ربما علينا أن نسأل أولا السؤال الأصعب هل لدينا أصلا اليوم رموز فنية حقيقية، أم أننا نعيش على أمجاد زمن مضى، كانت فيه القوة الناعمة تصنع الوعي والوجدان، لا مجرد التريند والملايين؟.