مصطفى صلاح يكتب: علاء الكحكى..الرجل الذى يعرف قيمة الصحبة

هناك أشياء لا تستطيع الكاميرا أن تنقلها مهما بلغت دقتها، ولا تستطيع الشاشة أن تشرحها مهما اتسعت مساحتها.. ضحكة تخرج في لحظة عفوية، نظرة بين صديقين التقيا بعد غياب، يد تمتد إلى كتف صاحبها من غير مناسبة، وحديث يبدأ من المهنة ثم ينتهي في مكان آخر تمامًا، حيث لا أخبار ولا شاشات ولا مواعيد بث، هذه التفاصيل الصغيرة هي التي صنعت، في رأيي، جمال تلك الليلة التي جمعت عددًا من أهل الميديا والإعلام في الساحل، برعاية علاء الكحكي، مالك قنوات النهار.
أكتب عن الليلة لأنني رأيت فيها شيئًا يستحق التوقف، ليس في المكان ولا في الأضواء ولا في الأسماء التي اجتمعت، وإنما في صاحب الدعوة نفسه.. علاء الكحكي، رجل جاء إلى الإعلام من بوابة الاستثمار، لكنه مع الوقت أدرك أن الاستثمار في الإعلام له طبيعة مختلفة؛ أنت لا تشتري مجرد أجهزة وتبني استوديو وتفتح شاشة ثم تنتظر النجاح.. أنت تدخل إلى عالم شديد الحساسية، عالم يتحرك بالناس، وتبقى فيه العلاقات جزءًا من رأس المال الذي لا يظهر في دفاتر الحسابات.
وهذه النقطة تحديدًا تجعلني أتوقف أمام تجربة الكحكي باحترام،فالرجل يعرف السوق، ويعرف أن القنوات تعيش في سباق لا يهدأ، ويعرف أن الجمهور لا يمنح أحدًا صكًا أبديًا، وأن الاسم الذي يلمع اليوم قد يحتاج غدًا إلى جهد جديد حتى يظل حاضرًا. لكنه، وسط كل ذلك، لم ينسَ أن الذين يصنعون هذه الصناعة بشر قبل أن يكونوا إعلاميين.
وهذه ليست ملاحظة عابرة،
العمل في الإعلام يستهلك صاحبه بطريقة لا يراها الجمهور.. الناس ترى المذيع ساعة على الشاشة، لكنها لا ترى الساعات التي سبقتها، ولا الاجتماعات، ولا التحضير، ولا القلق، ولا الهاتف الذي لا يصمت، ولا الخلافات التي تُحل في اللحظة الأخيرة، ولا فريقًا كاملًا يعمل حتى تظهر تلك الساعة هادئة أمام المشاهد، ولذلك فإن من يعرف أهل المهنة من الداخل يعرف أنهم يحتاجون أحيانًا إلى شيء أبعد من المكافأة، يحتاجون إلى أن يشعروا بأن تعبهم مرئي،
ربما لهذا كانت الدعوة إلى تلك الليلة تحمل معنى أكبر من مناسبة اجتماعية.
كان يمكن أن يجتمع الناس في قاعة فاخرة، يأكلون وينصرفون وتنتهي الحكاية، لكن اجتماع أهل الميديا والإعلام بعيدًا عن مقاعد العمل يمنحهم فرصة نادرة ليتذكروا بعضهم بعيدًا عن الألقاب.. الصحفي الذي يقضي يومه في مطاردة الأخبار، والمذيع الذي يعيش أمام الكاميرا، والمنتج الذي يقف خلف التفاصيل، ورجل الأعمال الذي يتحمل حسابات المؤسسة، كل هؤلاء يجلسون في النهاية على مقعد واحد، ويضحكون من النكتة نفسها، ويتحدثون في أشياء لا علاقة لها بما سيظهر غدًا على الشاشة.
وهنا تظهر قيمة علاء الكحكي.
ليس لأنه مالك قناة، فهذه وحدها ليست فضيلة، وإنما لأنه يعرف أن المؤسسة التي يريد لها أن تستمر لا يكفي أن تكون قوية في السوق؛ يجب أن تكون لها علاقات إنسانية حولها.. هناك فرق بين أن يملك الإنسان مكانًا يعمل فيه الناس، وبين أن يصنع مكانًا يشعر الناس بأن لهم فيه ذكريات.
وأنا أعتقد أن الذكريات هي أكثر الأشياء ظلمًا في حسابات المؤسسات؛ لا أحد يضعها في الميزانية، لكنها قد تكون السبب الحقيقي في أن يظل اسم مكان ما حاضرًا في القلب بعد سنوات من مغادرته.
من هنا أفهم تلك الصورة التي خرجت من الساحل..هي ليست صورة رجال إعلام اجتمعوا في ليلة صيف، وإنما صورة لمهنة قررت، ولو لساعات، أن تخلع عنها ربطة العنق،وهذا جميل.
فالإعلام مهنة مليئة بالجدل، والمنافسة فيها لا تنام، وكل شاشة تريد أن تكون في المقدمة، وكل اسم يريد أن يثبت أنه الأحق بالنجاح، وهذا طبيعي، بل ضروري، لكن المشكلة تبدأ حين نخلط بين المنافسة والخصومة، وبين اختلاف المهنة واختلاف القلوب.
أن يجتمع المتنافسون إلى جوار بعضهم لا يعني أنهم اتفقوا في كل شيء، بل يعني أنهم أدركوا أن المهنة أكبر من خلافاتها،وهذا بالضبط ما أعجبني في المشهد.
لم يكن هناك احتياج لأن يثبت أحد أنه أهم من الآخر، لم تكن هناك كاميرا تبحث عن «نجم الليلة»، لأن الليلة نفسها كانت هي النجمة.. مجموعة من البشر قرروا أن يستمتعوا بوقتهم، ورجل اسمه علاء الكحكي منحهم هذه المساحة،وفي تقديري، هذه واحدة من علامات الذكاء الإجتماعي التي لا تُدرّس في كتب الإدارة.
أن تعرف متى تتحدث عن العمل، ومتى تترك العمل جانبًا..أن تعرف أن الموظف ليس وظيفته، وأن الإعلامي ليس برنامجه، وأن الصحفي ليس مقاله، وأن الإنسان الذي أمامك قد يحتاج إلى جلسة ضحك أكثر مما يحتاج إلى اجتماع جديد.
ربما لهذا السبب تبدو بعض المؤسسات دافئة مهما كانت كبيرة، بينما تبدو مؤسسات أخرى باردة مهما كانت فاخرة.
المسألة في النهاية ليست في الجدران،المسألة في صاحب المكان ،وعلاء الكحكي، من هذه الزاوية، يستحق أن تُقال له كلمة تقدير، لأنه لم يكتفِ بأن يكون حاضرًا في صناعة الإعلام من خلال قنوات النهار، وإنما عرف أن أهل هذه الصناعة أنفسهم يستحقون لحظة احتفاء، وأن اللقاء بينهم ليس ترفًا اجتماعيًا، بل جزء من الحفاظ على الروح التي تجعل المهنة قابلة للحياة.
قد تختلف معه، وقد تختلف مع قناة النهار، وقد ترى أن برنامجًا كان يمكن أن يكون أفضل أو اختيارًا كان يحتاج إلى مراجعة، وهذا كله حق طبيعي في مهنة تقوم أساسًا على النقد والاختلاف. لكن الاختلاف مع المؤسسة لا يمنع أن ترى فيها ما يستحق التقدير، ولا يمنع أن تقول لصاحبها حين يفعل شيئًا جميلًا: أحسنت.
وهذه الكلمة في زماننا أصبحت نادرة..نحن أسرع في اكتشاف الخطأ من اكتشاف الجميل، وأسرع في إطلاق الأحكام من منح الناس حقهم في التقدير.
ولذلك أقول لعلاء الكحكي: شكرًا لأنك تذكرت أن وراء الميديا بشرًا، وأن هؤلاء البشر يحتاجون أحيانًا إلى ليلة لا يتحدثون فيها عن نسب المشاهدة، ولا عن المنافسة، ولا عن الأخبار العاجلة.
شكرًا لأنك جمعت أهل المهنة في مشهد لا يحتاج إلى مذيع يقدمه، ولا إلى عنوان يشرحه.
كانت ليلة بسيطة في معناها، لكنها كبيرة في دلالتها.
فالناس قد تنسى ما قيل على الشاشات، لكنها لا تنسى بسهولة من جعلها تشعر أنها موضع تقدير.
وهذه، في النهاية، ليست حكاية قناة ولا سهرة ولا ساحل.
إنها حكاية رجل يعرف أن المؤسسة مهما كبرت، تظل في حاجة إلى شيء صغير جدًا لا تستطيع التكنولوجيا أن تصنعه:
أن يشعر الناس أنهم أهل المكان.
وهذه وحدها.. تستحق التحية.


