الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: ” تفاصيل ” برنامج تائه..فأين المجلس الأعلى ونقابة الإعلاميين؟

-

هناك فرق كبير بين برنامج اجتماعي يقترب من مشكلات الناس ليمنحها قدرًا من الفهم والمعالجة، وبين برنامج يجعل من المشكلات نفسها مادة للفرجة والاستثارة، وهذه المسافة هي التي تجعل تجربة برنامج «تفاصيل» الذي تقدمه نهال طايل على قناة صدى البلد 2 جديرة بالتوقف والمراجعة، ليس اعتراضًا على فكرة البرنامج في حد ذاتها، وإنما على الطريقة التي تبدو بها بعض حلقاته وكأنها تتحرك بلا بوصلة تحريرية واضحة، فتارة تضع المشاهد أمام مأساة إنسانية، وتارة أمام خلاف أسري، ثم تنتقل إلى قضية من قضايا الترند، ثم إلى ضيف من عالم الفن أو السوشيال ميديا، ثم تعود إلى خدمة أو مشكلة اجتماعية، حتى يبدو البرنامج في كثير من الأحيان تائهًا في تنظيم فقراته، مرتبكًا في هويته، وغير قادر على تحديد المسافة الفاصلة بين الإعلام الاجتماعي والفرجة التليفزيونية.
والحقيقة أن البرنامج الاجتماعي لا يُقاس فقط بعدد المشكلات التي يطرحها، ولا بعدد المشاهدات التي تحققها الحلقة، وإنما يُقاس قبل ذلك بقدرته على احترام الإنسان الذي يفتح قلبه أمام الكاميرا، وعلى تحويل قصته من مجرد واقعة مثيرة إلى قضية تستحق الفهم والتحليل والمعالجة.

فالمواطن الذي يروي مأساة أسرية ليس «حالة» بالمعنى التليفزيوني المجرد، وإنما إنسان له كرامته وخصوصيته وحقوقه، ومن ثم فإن عرض معاناته يجب أن يخضع لمعايير مهنية وأخلاقية صارمة، لا لمنطق الإثارة وحده.
ومن أكثر ما يثير الاستياء في هذا النوع من البرامج أن تتحول المشاعر الإنسانية إلى جزء من صناعة المشهد، لا أحد يعترض على التعاطف، ولا يمكن لبرنامج اجتماعي أن يكون بلا حس إنساني، لكن هناك فارقًا بين التعاطف المسؤول وبين الاستغراق في الدموع والانفعالات وإعادة تدوير المأساة أمام المشاهد وكأن الألم عنصر من عناصر الديكور التليفزيوني ..عندما تصبح الدموع محورًا للحلقة، ويصبح الانفعال أهم من المعلومات، فإننا نبتعد تدريجيًا عن جوهر الإعلام ونقترب من صناعة الفرجة.

المشكلة أن المشاهد قد يتأثر، وقد يبكي، وقد يتعاطف مع صاحب المشكلة، لكنه يخرج من الحلقة دون أن يعرف لماذا وقعت المشكلة أصلًا، وما جذورها، وما الوسائل العلمية أو القانونية أو الاجتماعية للتعامل معها. وهنا تحديدًا تظهر أزمة العمق؛ لأن الإعلام الاجتماعي لا ينبغي أن يكتفي بسؤال «ماذا حدث؟»، وإنما عليه أن يذهب إلى السؤال الأهم: «لماذا حدث؟»، وهذه المسافة بين السؤالين هي التي تفصل بين الحكاية الصحفية والمعالجة الإعلامية المتكاملة.
إذا كانت القضية أسرية، فوجود متخصص في علم الاجتماع أو علم النفس ليس رفاهية، وإذا كانت المشكلة ذات أبعاد قانونية، فإن الرأي القانوني المتخصص يصبح ضرورة، وإذا كانت القضية مرتبطة بظاهرة اجتماعية، فلا يكفي أن نسمع أطرافها، وإنما يجب أن نعرف كيف يقرأها المتخصصون، وما أسبابها، وما تأثيراتها، وكيف يمكن التعامل معها بصورة تتجاوز الحل اللحظي.

أما الاكتفاء بالصلح أمام الكاميرا أو تقديم مساعدة عابرة، فهو قد يكون فعلًا إنسانيًا محمودًا في بعض الحالات، لكنه لا يمثل بالضرورة حلًا مستدامًا. فالمشكلات الأسرية المعقدة لا تنتهي بمجرد مصافحة، والخلافات المتراكمة لا تُمحى بجملة عاطفية، والأزمات الاقتصادية لا تُعالج بمساعدة مؤقتة، والمشكلات النفسية لا تختفي بمجرد أن يتعانق طرفان أمام عدسات التصوير.. هذه مشكلات تحتاج إلى متابعة، وإلى مؤسسات، وإلى متخصصين، وإلى حلول تستمر بعد أن تنطفئ الكاميرات.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا يحدث للحالة بعد انتهاء الحلقة؟ هل تتم متابعتها؟ هل استمر الصلح؟ هل تغيرت الظروف؟ هل حصل صاحب المشكلة على المساعدة التي يحتاج إليها؟ أم أن القصة تنتهي بمجرد انتهاء الحلقة وانتقال التليفزيون إلى فقرة أخرى؟
إن الإعلام المسؤول لا يحتفل فقط بلحظة الحل، وإنما يتابع ما بعد الحل، وهذه المتابعة هي التي تمنح العمل الإعلامي قيمته الحقيقية، لأنها تكشف ما إذا كان التدخل التليفزيوني قد أحدث أثرًا حقيقيًا أم أنه لم يتجاوز حدود المشهد.
ثم تأتي قضية الترند، وهي واحدة من أكثر المناطق التي تحتاج إلى انضباط مهني. فالترند ليس معيارًا للقيمة الإعلامية، ولا كل ما يثير الجدل يستحق أن يتحول إلى قضية تليفزيونية. مواقع التواصل الاجتماعي قد ترفع موضوعًا إلى صدارة المشهد خلال ساعات، لكن دور الإعلام ليس أن يلهث وراء كل ما يشتعل على المنصات، وإنما أن يقرر أولًا: هل هذه قضية تستحق المعالجة؟ وهل فيها قيمة عامة؟ وهل يمكن تقديمها للمشاهد بصورة تضيف إلى وعيه؟.
الإعلام الذي يصبح أسيرًا للترند يفقد تدريجيًا استقلاله التحريري، لأن أجندته لا تعود نابعة من رؤية مهنية، وإنما من حجم الضجة الموجودة على مواقع التواصل. والأسوأ من ذلك أن البرنامج قد يتحول من محلل للظاهرة إلى جزء من صناعة الظاهرة نفسها، خصوصًا عندما يستضيف أشخاصًا لا يمتلكون قيمة معرفية حقيقية لمجرد أنهم أصبحوا حديث الناس.
وهنا تظهر مشكلة أخرى في «تفاصيل»، وهي اضطراب اختيار الضيوف وتباين طبيعة الموضوعات بصورة تجعل المشاهد أحيانًا غير قادر على تحديد هوية البرنامج. كيف يمكن لبرنامج يضع مأساة إنسانية ثقيلة في مقدمة الحلقة أن ينتقل بسهولة إلى موضوع ترفيهي أو شخصية من عالم السوشيال ميديا دون بناء تحريري يربط بين الأمرين؟ ليست المشكلة في استضافة الفنان أو الشخصية العامة، وإنما في السؤال الذي يجب أن يسبق الاستضافة: ما علاقتها برسالة البرنامج؟ وما القيمة التي سيحصل عليها المشاهد من حضورها؟
البرنامج المحترف لا يجمع فقراته لمجرد ملء ساعات البث، وإنما يبني الحلقة وفق منطق واضح، بحيث تكون لكل فقرة وظيفة، ولكل ضيف مبرر، ولكل انتقال سياق، ولكل موضوع علاقة بالخط التحريري العام. أما أن تتحول الحلقة إلى مجموعة موضوعات متجاورة لا يجمعها إلا أنها جذابة، فهذه ليست مرونة في المحتوى، وإنما ارتباك في الهوية.
ولذلك فإن وصف «تفاصيل» بأنه برنامج تائه في تنظيم فقراته ليس مبالغة لغوية، وإنما توصيف لمشكلة تحريرية تستحق التوقف. فالبرنامج يبدو أحيانًا وكأنه يريد أن يكون برنامجًا اجتماعيًا وخدميًا، وبرنامجًا للترند، وبرنامجًا للمشاهير، وبرنامجًا للحكايات الإنسانية، وبرنامجًا للمشكلات الأسرية في الوقت نفسه، والنتيجة أن كل هوية تزاحم الأخرى، فتضعف الرسالة الأساسية.
أما إدارة الحوار فهي مسألة لا تقل أهمية. فالمذيع في البرنامج الاجتماعي يجب أن يمتلك حسًا إنسانيًا، لكن الحس الإنساني لا يعني الانحياز. ويجب أن يتعاطف مع صاحب المشكلة، لكن التعاطف لا يعني إصدار الأحكام. ويجب أن يمنح الضيف مساحة للتعبير، لكن عليه في الوقت نفسه أن يطرح الأسئلة التي تكشف الحقيقة، لا الأسئلة التي تزيد من حرارة المشهد.
فالبرنامج الاجتماعي ليس محكمة، والمذيع ليس قاضيًا، والضيف ليس متهمًا لمجرد أنه يختلف مع الطرف الآخر. وإذا تم تقديم رواية واحدة باعتبارها الحقيقة النهائية، فإن المشاهد لا يحصل على معالجة مهنية، وإنما يحصل على وجهة نظر طرف في القضية.
ومن هنا يصبح من حق المتابع أن يطالب بمراجعة مهنية جادة لهذا النوع من المحتوى، خصوصًا أن البرامج التي تتناول الحياة الخاصة للناس وخلافاتهم الأسرية تحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق والانضباط. ولهذا أرى أن برنامج «تفاصيل» من البرامج التي يستحق محتواها وآليات عملها مراجعة من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الإعلاميين، ليس باعتبار أن المراجعة تعني الإدانة المسبقة، وإنما باعتبارها جزءًا من المسؤولية المهنية التي تضمن احترام المعايير الإعلامية، وصون خصوصية المواطنين، والتأكد من أن معالجة الحالات الإنسانية لا تنزلق إلى الإثارة أو الاستعراض.
والحديث هنا لا ينبغي أن يتحول إلى هجوم شخصي على نهال طايل، لأن صناعة البرنامج مسؤولية جماعية تشمل الإعداد والتحرير والإخراج والإنتاج والسياسة التحريرية للقناة، لكن ذلك لا يمنع من تقييم المنتج النهائي كما يصل إلى المشاهد. فالمشاهد لا يرى غرفة الإعداد، ولا يعرف حجم العمل خلف الكاميرا، وإنما يحكم على ما يظهر أمامه، وما يظهر في بعض الأحيان يحتاج بالفعل إلى إعادة ترتيب ومراجعة وإعادة تعريف للهوية.
لقد أصبح التليفزيون في عصر المنصات الرقمية أمام تحدٍ حقيقي؛ فإذا دخل في سباق الترند خسر خصوصيته، وإذا اكتفى بإعادة ما تقوله مواقع التواصل فقد وظيفته، وإذا جعل الإثارة معيارًا للنجاح فقد أهم ما يميزه: المهنية.
والبرنامج الاجتماعي تحديدًا لا ينبغي أن ينافس صفحات السوشيال ميديا في الصراخ، ولا أن ينافسها في صناعة الجدل، وإنما يجب أن يقدم ما لا تستطيع تلك المنصات تقديمه: التحليل، والتحقق، والخبرة، والمسؤولية، والمتابعة.
إن «تفاصيل» يملك فكرة يمكن أن تكون أكثر قيمة مما تبدو عليه الآن، لكنه يحتاج إلى أن يعرف أولًا ماذا يريد أن يكون.. هل هو برنامج اجتماعي؟ إذن فليحافظ على هويته.. هل هو برنامج خدمي؟ إذن فلتكن الخدمة في صلب رسالته.. هل يريد مناقشة الترند؟ فليناقشه بعين الناقد لا بعين المطارد.. هل يريد تقديم حكايات إنسانية؟ فليحترم أصحابها، وليجعل الحكاية مدخلًا للفهم لا مادة للفرجة.
أما أن تظل الفقرات تتحرك في اتجاهات متباعدة، وأن تنتقل الحلقة من مأساة إلى ترند ومن مشكلة أسرية إلى ضيف شهير ومن خدمة إلى فقرة ترفيهية دون سياق واضح، فهذا يجعل البرنامج بالفعل تائهًا في تنظيم فقراته، مضطربًا في خطه التحريري، ومحتاجًا إلى وقفة جادة مع نفسه قبل أن يطلب من المشاهد أن يواصل الرحلة معه.
فالناس لا تحتاج إلى شاشة تعيد عرض أوجاعها فحسب، وإنما تحتاج إلى إعلام يفهم تلك الأوجاع، ويحترم أصحابها، ويبحث عن جذورها، ويقدم حلولًا قابلة للحياة.
والقاعدة هنا بسيطة: حين تكون معاناة الناس هي المادة التي يصنع منها البرنامج محتواه، فإن كرامة الإنسان يجب أن تكون أعلى من نسب المشاهدة، والمهنية يجب أن تكون أقوى من الإثارة، والرسالة يجب أن تكون أهم من الترند.
وهذه ليست نصيحة لبرنامج «تفاصيل» فقط، وإنما قاعدة يجب أن تحكم كل إعلام اجتماعي يضع الإنسان في قلب الشاشة.