الموجز اليوم
الموجز اليوم

عبدالحى عطوان يكتب : «قاع الهامور».. هزار بريء أم صناعة عالم موازٍ ؟ ومن يقف خلف الانفجار الغامض للجروب؟

-

خلال أيام قليلة، لم يعد «قاع الهامور» مجرد اسم مأخوذ من عالم «سبونج بوب»، بل تحول إلى ظاهرة رقمية تستحق التوقف والدراسة؛ ليس لأن المصريين قرروا أن يضحكوا أو يصنعوا عالمًا ساخرًا تحت الماء، وإنما لأن حجم الانتشار وسرعته، وطبيعة بعض المنشورات التي ظهرت داخله، فتحت الباب أمام سؤال مشروع:

من يقف خلف «قاع الهامور»؟ ومن يموله؟ وهل نحن أمام موجة كوميدية عفوية، أم تجربة في صناعة مجتمع افتراضي موازٍ يمكن توجيهه لاحقًا؟ أم هناك جماعة أو دولة سطت على الفكرة وباتت توجهها؟

فى البداية وقبل الدخول في مساحة الشكوك: حتى الآن لا توجد أمامنا أدلة موثقة تثبت وجود جهة تمول الجروب أو مخطط سياسي يقف خلفه. بل إن القائمين عليه نفوا صراحة وجود تمويل أو جهة تقف وراءهم، وأكدوا أن الهدف ترفيهي فقط.

لكن من المؤكد أن غياب الدليل على وجود تمويل لا يلغي حقنا في طرح الأسئلة حول ظاهرة اتصالية بهذه الضخامة.

من نصف مليون إلى أكثر من مليون في وقت قياسي
بدأ الجروب، وفق ما نشرته وسائل إعلام، في 11 أغسطس، لكن الانفجار الحقيقي في أعداد أعضائه جاء لاحقًا بصورة شديدة السرعة. فقد قفز إلى نحو 1.3 مليون مستخدم خلال أقل من 24 ساعة من موجة الانتشار الكبرى، بينما أشارت تقارير أحدث إلى تجاوز المجموعة 1.4 مليون عضو ووجود آلاف المنشورات.

والحقيقة أن هذه السرعة لا تثبت وحدها وجود تمويل، فخوارزميات منصات التواصل قادرة على صناعة «كرة ثلج» ضخمة عندما تتوافر للفكرة عناصر الانتشار: محتوى سهل، وشخصيات يعرفها الملايين، وقدرة أي مستخدم على إنتاج منشور جديد، ثم دخول الفنانين والمشاهير والحسابات الكبيرة على الخط. وهذا ما حدث بالفعل؛ إذ انتقلت الفكرة من الجروب إلى بقية المنصات، وبدأت صور المشاهير داخل «قاع الهامور» تضيف دفعات جديدة من الانتشار.

وبالتأكيد، مليون متابع في زمن قصير يعني أننا أمام حالة رقمية تستحق الدراسة والتحليل.
والمثير ليس أن هناك شخصًا يبحث عن شقة في «قاع الهامور»، أو مواطنًا يشتكي من جاره «شفيق»، أو آخر يتحدث عن مطعم «مقرمشات».

هذه هي اللعبة الساخرة أصلًا. بل الظاهرة تطورت إلى محاكاة شبه كاملة للمجتمع الحقيقي: عقارات، مدارس، وظائف، مشكلات خدمات، شكاوى مواطنين، حفلات، مشاهير، بل وظهرت منشورات وصفحات تقلد أحيانًا أسلوب الحسابات الرسمية.
وهنا أصبحت المسألة أكثر إثارة للاهتمام.

نحن لا نتحدث عن «ميم» يضحك الناس عليه وينتهي، بل عن بناء مدينة افتراضية لها مواطنون وشكاوى ومؤسسات وعقارات ومطاعم ومشكلات، بينما يقوم المستخدم نفسه بإسقاط مشكلات حياته الحقيقية على عالم كرتوني تحت سطح الماء.

وهناك من وصف هذا التحول باعتباره انتقالًا من مجرد جمهور يشاهد المحتوى إلى مجتمع يشارك في صناعته؛ فقد أصبح «قاع الهامور» جروب سكان لمنطقة لا وجود لها أصلًا، بما يمكن وصفه مجتمعًا رقميًا موازيًا. ولكن لا يمكن وصفه بالدولة الموازية بالمعنى السياسي أو القانوني، لأن ذلك سيكون مبالغة لا يدعمها دليل حتى الآن.

وهنا باتت تكمن الفكرة الأخطر والأكثر إثارة للدراسة.

بدلًا من أن تقول: «هناك مشكلة في الشارع»، تستطيع نقلها إلى قاع الهامور.

وبدلًا من الحديث عن مؤسسة حقيقية، تخلق مؤسسة خيالية. وبدلًا من مسؤول حقيقي، تظهر شخصية كرتونية. وهكذا تستطيع السخرية أن تحمل رسائل اجتماعية وربما سياسية واقتصادية دون أن تقدم نفسها باعتبارها خطابًا سياسيًا من الأساس.

وهذا تحديدًا ما يستحق أن تتوقف أمامه كليات الإعلام والاجتماع وعلم النفس والذكاء الاصطناعي: كيف يستطيع بضعة أشخاص صغار السن بناء مجتمع افتراضي موازٍ يجذب أكثر من مليون إنسان ويجعل الجمهور نفسه مسؤولًا عن إنتاج محتواه وتوسيعه؟

وما يؤكد أن هذا الجروب ظاهرة ونموذج يستحق الدراسة، تطور الأمر من محتوى ساخر إلى توظيف بعض المشكلات المجتمعية، مما يجعل أمر إمكانية استغلال شعبية المحتوى الساخر مستقبلًا في تمرير أفكار وآراء مختلفة واردًا، وهو ما أكدته بعض البوستات الموجهة داخله.

وهنا يجب التفريق جيدًا بين أمرين: إمكانية الاستغلال شيء، ووجود مؤامرة مثبتة شيء آخر تمامًا.

فأي مساحة تضم مليونًا أو مليوني شخص تصبح بطبيعتها مساحة مغرية تجاريًا وإعلاميًا، وربما سياسيًا. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا أُنشئ الجروب؟ وإنما أيضًا: ماذا يمكن أن يحدث للجروب بعد أن أصبح يمتلك هذا الجمهور الضخم؟

والخلاصة... برغم أن القائمين على جروب «قاع الهامور» نفوا تهمة تمويله أو استغلاله من جهات خارجية، كما ظهرت إحدى المسؤولات عنه لتؤكد أن الأمر بدأ للمزاح، وأن الحديث عن المخططات والمؤامرات مبالغ فيه.

لكن البوستات الأخيرة، والتي بدأت تحاكي مؤسسات الدولة، تقول إن هناك من بات يسيطر على قاع الهامور ويوجهه.
وماذا بعد؟! .... تبقى الأسئلة المشروعة بلا إجابات!

هل استُخدمت إعلانات ممولة في مرحلة من مراحل الانتشار؟ من هم المديرون الحقيقيون؟ كيف انتقلت المجموعة فجأة إلى ملايين الشاشات؟ وهل سيظل المحتوى ترفيهيًا بعد تكوين هذه الكتلة الجماهيرية الهائلة؟
هذه أسئلة تحتاج بيانات وتحليلًا رقميًا.

وفى النهاية... ربما يكون أهم درس في «قاع الهامور» ليس البحث عن هل هو موجه أم لا، وهل فعلًا هناك جهات باتت تسيطر عليه أم لا؟ وإنما فهم القوة المرعبة لفكرة بسيطة عندما تتوافق مع خوارزميات التواصل الاجتماعي.

شباب يصنعون مدينة غير موجودة، ثم يدخل إليها مئات الآلاف، وبعدها الملايين، ويبدأ السكان في إنتاج أخبارها بأنفسهم.
لا غرفة أخبار.
لا مطابع.
لا محطة فضائية.
ولا مؤسسة إعلامية تقليدية.

هاتف وذكاء اصطناعي وفكرة قابلة للمشاركة.. وبعدها جمهور ضخم يقوم بنفسه بمهمة التوزيع.
وهذا وحده كافٍ لأن يصبح «قاع الهامور» مادة بحثية داخل الجامعات.

المطلوب أن نفهم كيف يُصنع الرأي العام الجديد.

لأن السؤال ربما لم يعد: من الذي أنشأ قاع الهامور؟

بل: من يستطيع غدًا أن يستثمر سكان قاع الهامور؟ ومن يستطيع أن يحول مليون شخص تجمعوا اليوم حول نكتة إلى جمهور يتلقى غدًا فكرة أو منتجًا أو شائعة أو رسالة؟

هنا يصبح الأمر أكبر من «سبونج بوب».

وأعمق بكثير من مجرد قاع البحر.
فالخطر ليس أن نهرب لبعض الوقت من مشكلاتنا فوق سطح الأرض لنضحك على مشكلات خيالية تحت الماء؛ الخطر الحقيقي أن نكتشف يومًا أن هناك من تعلّم كيف يوجّهنا من القاع، بينما نظن نحن أننا فقط نضحك