الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: مرثية لشقيقى” جمال” فى ذكراه السنوية الأولى

-

في الرابع والعشرين من أغسطس 2025، لم يكن اليوم عابرًا في تقويم العمر، بل كان يومًا انكسر فيه شيء في القلب لا يُرى، لكنه لا يلتئم بسهولة.. في ذلك اليوم رحل شقيقي جمال، وغابت ملامح رجل كان جزءًا أصيلًا من نسيج الأسرة، ومن ذاكرتنا، ومن تفاصيل العمر التي عشناها معًا.. رحل جمال، وبقيت ملامحه في المكان، وبقي صوته في الذاكرة، وبقي اسمه كلما مرّ على ألسنتنا يحمل معه حكاية كاملة من الحنين.
عام كامل مرّ على الرحيل، والعام في حساب الزمن شيء، وفي حساب الفقد شيء آخر. فالزمن الذي يمضي على عقارب الساعة لا يمضي بالطريقة نفسها داخل القلب. هناك أيام تمر سريعًا، وهناك لحظة واحدة تتوقف عندها الروح، وتظل معلقة بها مهما تعاقبت السنوات. ويوم رحيل جمال كان من تلك اللحظات التي لا تعرف كيف تنتهي، لأن بعض الأحزان لا ينهيها الزمن، وإنما يعيد الزمن تشكيلها في صورة اشتياق وذكرى ودعاء.
كان جمال أكثر من مجرد شقيق، كان قطعة من تاريخ الأسرة، ووجهًا من وجوه العمر، وشاهدًا على سنوات عشناها معًا، بحلوها ومرها. وبين الإخوة مساحة من الذاكرة لا يعرف تفاصيلها إلا من عاشها، مواقف صغيرة، أحاديث عابرة، ضحكات لم نكن نظن أنها ستصبح يومًا من أثمن ما نملك. وحين يرحل أحد الإخوة، لا يغيب شخص فقط، وإنما يغيب معه جزء من التاريخ الشخصي لكل من عاش بالقرب منه.
الموت لا يستأذن حين يأتي، ولا يمنح القلب فرصة أخيرة ليقول كل ما يريد. يأتي فجأة، فيغلق بابًا كان الإنسان يظنه مفتوحًا إلى الأبد. وبعد الرحيل تبدأ حياة أخرى للغائب، حياة لا تسكن فيها الأجساد، وإنما تسكن الذكريات. يصبح المكان الذي كان يجلس فيه جمال أكثر من مجرد مكان، وتصبح صوره القديمة أكثر قيمة، وتتحول كلماته ومواقفه إلى أشياء نعود إليها كلما اشتقنا إليه.
ولعل أقسى ما في الفقد أن الحياة لا تتوقف احترامًا للحزن. الشمس تشرق في موعدها، والشوارع تمتلئ بالناس، والأعمال تستمر، والأيام تتوالى، وكأن شيئًا لم يحدث. لكن القلب وحده يعرف أن شيئًا كبيرًا قد حدث، وأن وجهًا كان بالأمس جزءًا من المشهد أصبح اليوم ذكرى. وهنا نتعلم واحدة من أقسى حقائق الحياة، أن العالم يستطيع أن يستمر حتى عندما نشعر أن عالمنا الخاص قد توقف.
عام على رحيل جمال، وما زالت ملامحه أكثر حضورًا من كثير من الوجوه التي نراها كل يوم. فالغائب الذي ترك أثرًا لا يغيب تمامًا، والذي عاش بين الناس بسيرة طيبة وخلق كريم لا يتحول إلى مجرد اسم في قائمة الراحلين. يبقى في دعاء من عرفوه، وفي ذاكرة أهله، وفي الحكايات التي تستعيده كلما جاء اسمه.
ترك جمال وراءه ما هو أثمن من الأشياء، ترك سيرة طيبة، وذكريات لا تُشترى، ومحبة في قلوب من عرفوه. وهذه هي الثروة التي لا يستطيع الموت أن يصادرها. فالإنسان لا يُقاس فقط بما جمعه في حياته، وإنما بما تركه في نفوس الآخرين من أثر، وبعدد القلوب التي تفتقده حين يغيب، وبعدد الألسنة التي تذكره بالخير بعد أن يصمت صوته.
وفي ذكراه السنوية الأولى، لا أريد أن يكون الحزن هو الكلمة الأخيرة.. أريد أن تكون ذكرى جمال تذكيرًا بمعنى أعمق للحياة، بأن الإنسان عابر في هذه الدنيا، وأن البقاء الحقيقي ليس للأجساد، وإنما للأثر.. نحن جميعًا مسافرون في طريق واحد، تختلف المحطات وتتباعد المواعيد، لكن النهاية واحدة، وما يبقى في النهاية هو العمل، والسيرة، والمحبة، والدعاء.
رحم الله جمال، فقد سبقنا إلى الطريق الذي سنسلكه جميعًا، وترك لنا درسًا صامتًا في حقيقة الحياة. كان وجوده بيننا نعمة، وكان رحيله تذكيرًا بأن النعم لا نعرف أحيانًا مقدارها إلا بعد أن تتحول إلى ذكريات.
اللهم إن جمالًا أصبح في ذمتك، وأنت أرحم به منا، فاللهم اجعل رحمتك به أوسع من كل رحمة، ومغفرتك له أكرم من كل رجاء. اللهم أنر قبره، وآنس وحشته، واغفر ذنبه، وارفع درجته، واجعل قبره روضة من رياض الجنة.
اللهم أحيِ ذكره في قلوب الناس بالخير، وسخّر له من عبادك من يدعو له ويتصدق عنه، واجعل كل دعاء يصله نورًا، وكل صدقة عنه رحمة، وكل ذكر له حسنًا في ميزان حسناته.
يا جمال، يا شقيقي الذي سبقني إلى الرحيل، مضى عام على غيابك، لكن الغياب لا يقاس بالسنوات .. بعض الغياب لا يشيخ، وبعض الوجوه لا تغيب مهما ابتعدت، وبعض الأحبة يظلون مقيمين في القلب إقامة لا تحتاج إلى موعد ولا مكان.
رحلت عن أعيننا، لكنك لم ترحل عن ذاكرتنا ..تغير المكان، وبقي الأثر.. صمت الصوت، وبقيت الكلمات. غاب الجسد، وبقيت روحك فينا بما تركته من محبة وذكرى وسيرة.
وفي ذكراك السنوية الأولى، لا أملك إلا الدعاء، ولا أجد أصدق من أن أقول: رحمك الله يا جمال، يا شقيقي الغالي، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما بيننا من محبة ممتدًا إلى ما بعد الموت، وجمعنا بك يومًا في دار لا فراق فيها.
هناك، حيث لا يغادر أحد، ولا تُختطف من القلب ملامح الأحبة، ولا يكون للغياب سلطان.