الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: تسليع الإعلام

-

ثمة شيء يثير الغضب حقًا في المشهد الإعلامي، شيء يتجاوز مجرد خطأ في برنامج أو تجاوز من مذيع أو ضيف، لأننا أمام ظاهرة بدأت تتسع حتى أصبح لها سوقها وسماسرتها وأسعارها وزبائنها، وأصبح «بيع الهواء» ليس مجرد تعبير ساخر يقال في جلسة عابرة، وإنما واقعًا تجاريًا له قواعده وحساباته، وفي قلب هذا الواقع تقف الشاشة التي يفترض أن تكون منبرًا للوعي، فإذا بها في بعض الحالات تتحول إلى مساحة مؤجرة، والميكروفون الذي يفترض أن يكون أداة للمعرفة يصبح أداة للبيع، والبرنامج الذي يفترض أن يخاطب عقل المواطن يتحول إلى مشروع يبحث عن ممولين وضيوف يدفعون مقابل دقائق من الشهرة، وكأن الإعلام قد اختصر رسالته في سؤال واحد: من سيدفع اليوم؟
المشكلة ليست في أن قناة تريد تحقيق إيرادات، فهذا أمر طبيعي في صناعة الإعلام، وليست في وجود الإعلان أو الرعاية أو أي نشاط تجاري منظم، وإنما في أن يتحول وقت البث ذاته إلى سلعة، وأن يصبح بإمكان شخص أن يستأجر ساعة ثم يعيد بيع دقائقها لمن يريد أن يظهر على الشاشة، فيصبح لدينا مستأجر للهواء، وبائع للهواء، ومشترٍ للظهور، ووكيل يتوسط بين الجميع، ثم يأتي المواطن في نهاية السلسلة ليشاهد كل ذلك وهو لا يعرف أن وراء الصورة التي يراها فاتورة مالية تحرك المشهد من بدايته إلى نهايته.
وهنا لا بد أن نتوقف، لأن الإعلام ليس محلًا تجاريًا يمكن أن نؤجر رفوفه لمن يدفع، وليس عقارًا يهمنا أن يبقى مشغولًا طوال اليوم حتى لو لم نعرف ماذا يعرض داخله، فالإعلام سلطة وتأثير ومسؤولية، والشاشة تدخل البيوت بلا استئذان، والكلمة التي تخرج منها يمكن أن تصنع وعيًا أو تهدمه، يمكن أن تصحح فكرة أو تنشر تضليلًا، يمكن أن تقدم معرفة حقيقية أو تمنح شخصًا لا يستحق سلطة معنوية لمجرد أنه استطاع دفع مقابل الظهور، وهنا يصبح الأمر أخطر بكثير من مجرد صفقة إيجار، لأن من يشتري ساعة بث لا يشتري وقتًا فقط، وإنما يحصل على سلطة الشاشة، وهذه السلطة هي التي يجب أن تكون محل الحساب.
كيف يمكن أن نطلب من المواطن أن يثق في برنامج إذا كان الشخص الذي يقدمه قد اشترى ساعته، ثم راح يبحث عن ضيوف يشترون دقائقهم؟ كيف يمكن أن نقنع المشاهد أن الحوار الذي يراه أمامه مادة إعلامية، بينما الضيف قد يكون قد دفع مقابل الظهور، والطبيب يستغل الفقرة للترويج لعيادته، والمحامي يستغلها للترويج لمكتبه، وصاحب المشروع يستغلها لتسويق منتجه، والراغب في الشهرة يستغلها لصناعة صورة لنفسه؟ هل أصبح الإعلام هو أن يدفع الشخص ليظهر ثم نضع أمامه كاميرا ونطلب من الجمهور أن يصفق للمهنة؟
هذه ليست مهنية، وإنما إعادة تدوير للمال على الشاشة، والأخطر أن هذه التجارة تمنح المشتري ما هو أكبر من دقائق البث، تمنحه شرعية وهمية، لأن المواطن لا يرى العقد ولا يعرف قيمة الإيجار ولا يعرف من دفع لمن، وإنما يرى استوديو وشعار قناة ومذيعًا وميكروفونًا، فيفترض أن وراء هذا المشهد مؤسسة اختارت الشخص لأنه مؤهل، وأن الضيف موجود لأنه يستحق أن يسمعه الناس، بينما الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا.
وهنا تضيع الحدود بين الإعلان والإعلام، وبين الدعاية والحوار، وبين صاحب الخبرة وصاحب القدرة على الدفع، ويصبح المال معيارًا للحضور، وهذه هي الكارثة. فليس كل من يملك المال يملك المعرفة، وليس كل من يملك الجرأة أمام الكاميرا يملك أهلية الحديث إلى الناس، وليس كل من يستطيع دفع إيجار ساعة يصبح إعلاميًا، وليس كل شخص «مقبول على الشاشة» يصلح لممارسة مهنة تقوم أساسًا على اللغة والفكر والمسؤولية والقدرة على إدارة الحوار.
ومن هنا فإن بعض المذيعين والمذيعات يحتاجون إلى إعادة تأهيل حقيقية قبل العودة إلى الشاشة، ويجب ألا نخجل من قول ذلك، لأن الخجل من الاعتراف بالضعف المهني أخطر من الضعف نفسه، فالمذيع أو المذيعة يحتاج إلى تدريب على اللغة العربية، وعلى مخارج الألفاظ، وعلى سلامة النطق، وعلى نبرة الصوت، وعلى إدارة الحوار، وعلى إعداد السؤال، وعلى الاستماع، وعلى التمييز بين المعلومة والإعلان، وبين الرأي والحقيقة.
فالمايكروفون ليس زينة توضع أمام الوجه، والكاميرا ليست مرآة لتجربة الشهرة، والظهور أمام الناس ليس تدريبًا تجريبيًا نكتشف بعده هل يصلح الشخص للمهنة أم لا. الأصل أن يتأهل المذيع أولًا ثم يظهر، لا أن يظهر أولًا ثم يبدأ الجمهور في اكتشاف أخطائه معه. فالجمهور ليس لجنة تدريب، والمواطن ليس فأر تجارب، والشاشة ليست معملًا مفتوحًا لكل من يريد أن يجرب حظه.
واللغة العربية تحديدًا ليست ترفًا، ومخارج الألفاظ ليست تفصيلًا صغيرًا، ونبرة الصوت ليست مسألة تجميلية، لأن المذيع يتحدث إلى ملايين البشر، ومن حق هؤلاء أن يسمعوا لغة سليمة وأداءً متزنًا ومحتوى يحترم عقولهم، لا أن يتحول بعض البرامج إلى سباق في رفع الصوت، أو استعراض في الحديث، أو محاولة مستمرة لجذب الانتباه بأي طريقة.
ومن هنا تأتي مسؤولية نقابة الإعلاميين، وهي مسؤولية لا يجوز أن تتحول إلى مجرد إجراءات ورقية، لأن النقابة مطالبة بأن تكون لها الكلمة المهنية الحاسمة في تقييم مذيعي برامج شراء الهواء وإعادة تدريب من يحتاج إلى التدريب، ووضع اختبارات حقيقية في اللغة ومخارج الألفاظ والصوت والأداء وإدارة الحوار والقواعد المهنية والأخلاقية.
ومن لا يجتاز التقييم فعليه أن يتدرب حتى يصبح صالحًا للممارسة، فالمهنة ليست مجاملة، والكارنيه لا يصنع إعلاميًا، والشاشة لا تمنح شهادة صلاحية.
والمسؤولية لا تقع على المذيع وحده، لأن وراء كل برنامج فريق إعداد، وإذا كان المذيع هو الوجه الذي يراه الجمهور، فإن فريق الإعداد هو العقل الذي يصنع ما سيقال، ولذلك يجب أن يخضع هو الآخر للتقييم والمراجعة. فمن يختار الضيف؟ ومن يراجع المعلومات؟ ومن يكتب الأسئلة؟ ومن يتحقق من صحة ما يقال؟ ومن يميز بين الضيف الذي يقدم معرفة والضيف الذي يدفع مقابل دعاية؟
لا يمكن أن نضع مذيعًا أمام الكاميرا ثم نغلق أعيننا عن ماكينة الإعداد التي تقف خلفه.
والأمر يحتاج إلى موقف أكثر حسمًا من مجرد إيقاف برنامج بعد وقوع المشكلة، لأن المطلوب هو وقف برامج شراء الهواء مؤقتًا لحين تقييمها، وتقييم مذيعيها، وتقييم فرق إعدادها، ومراجعة محتواها، ومعرفة ما إذا كانت تقدم خدمة إعلامية حقيقية أم أنها تحولت إلى منصات إعلانية مقنعة.
فالرقابة التي تأتي بعد وقوع الأزمة رقابة متأخرة، والمشكلة ليست في أن نكتشف الخطأ بعد أن يصل إلى ملايين الناس، وإنما في أن نمنع الخطأ قبل أن يصل إليهم.
وهنا يجب أن نتذكر دائمًا أن الإعلام ليس مجرد نشاط تجاري، وإنما هو جزء من الأمن القومي، لأن الأمن القومي لا يتعلق فقط بحماية الأرض والحدود، وإنما يتعلق كذلك بحماية الوعي، وبناء العقل، ومواجهة التضليل والشائعات، وحماية المجتمع من الفوضى المعرفية.
ولذلك فإن ترك الشاشة لمنطق «من يدفع يظهر» أمر لا يمكن التعامل معه باستخفاف، لأن من يبيع الشاشة لا يبيع دقائق فقط، وإنما يبيع مساحة من التأثير، ومن يشتريها قد يستخدمها في صناعة صورة أو نشر معلومة أو توجيه رأي أو تحقيق مصلحة شخصية.
نحن لسنا ضد أن تربح القنوات، ولسنا ضد الإعلان، ولسنا ضد الاستثمار في الإعلام، لكننا ضد أن يتحول الاستثمار إلى ذريعة لشراء المهنة نفسها، وضد أن يصبح المال هو المعيار الأول والأخير لمن يظهر أمام الجمهور، وضد أن تتحول القنوات إلى دكاكين للإيجار ثم نطلب منها في الوقت نفسه أن تحافظ على هيبة الإعلام.
الإعلام المصري له تاريخ طويل، وله مدارس مهنية وأسماء صنعت احترام الشاشة، وله جمهور يستحق أن يُحترم، ولذلك فإن السكوت على تحويل بعض الشاشات إلى سوق للظهور ليس تسامحًا، وإنما تفريط في قيمة المهنة.
لقد آن الأوان لوقف المجاملات، وإعادة تقييم برامج شراء الهواء، ومراجعة مذيعيها وفرق إعدادها، وإعادة تدريب من يحتاج إلى التدريب، وتطبيق ضوابط واضحة على كل محتوى مدفوع، ومحاسبة كل من يتجاوز، لأن الإعلام لا يحتمل أن يصبح مساحة تجريبية لمن يريد الشهرة، ولا يجوز أن يكون الميكروفون بالإيجار، والمذيع بالتجربة، والضيف بالدفع، والظهور بالفاتورة، ثم نطلب من المواطن أن يثق بكل ما يراه ويسمعه.
الهواء مجاني، نعم، لكن الشاشة ليست مجانية، والكلمة ليست مجانية، والثقة ليست سلعة، والإعلام ليس مزادًا، والوعي ليس بضاعة، والمواطن ليس زبونًا في سوق الشهرة.
ومن يعبث بالإعلام يعبث بأحد أخطر خطوط الدفاع في الدولة، لأن المعركة الحقيقية في عصرنا لم تعد فقط على الأرض، وإنما أصبحت كذلك في عقول الناس، ومن هنا فإن حماية الشاشة من العبث ليست ترفًا، وحماية المهنة من الدخلاء ليست رفاهية، وإعادة الاعتبار للكفاءة ليست تشددًا، وإنما هي دفاع عن جبهة الوعي، وعن إعلام يستحق أن يصدقه الناس، لا إعلام يطلب منهم أن يصدقوا فاتورة.