الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: ” دموعك غالية يالؤلؤ”.. جملة بقيت بعد أن غابت اليد

-

لم أعرف وأنا أقرأ كلمات علا الشافعي أنني سأخرج منها بكل هذا الحزن ، كنت أظن أنني أمام كلمات ابنة تكتب عن أبيها في ذكراه السادسة، وأن الأمر لن يتجاوز مساحة الرثاء التي نعرفها جميعًا؛ بضعة أسطر تستعيد الغائب، وبعض الذكريات التي يحاول بها القلب أن يستبقي من رحل، لكنني كلما مضيت في القراءة، شعرت أنني لا أقرأ نصًا عن الموت بقدر ما أقرأ نصًا عن الحياة بعد الموت، عن ذلك الفراغ الذي يتركه الأب حين يغيب، وعن الأشياء الصغيرة التي لا نكتشف قيمتها إلا حين تصبح مستحيلة.
قرأت كلمات علا ببطء، ثم توقفت أكثر من مرة، وفي بعض الكتابات لا يكون التوقف لأن العبارة جميلة، وإنما لأن وراء العبارة شيئًا يلامس مكانًا قديمًا في النفس. وهذا ما حدث معي، لم أكن بحاجة إلى أن أعرف تفاصيل علا كلها حتى أفهم وجعها، لأن حزن الأب من الأحزان التي لا تحتاج إلى قاموس.. يكفي أن يقول لك أحدهم: «رحل أبي»، حتى تدرك أن خلف الجملة بيتًا كاملًا تغيرت ملامحه، وصوتًا كان يملأ المكان ثم أصبح غيابه هو الصوت الأكثر حضورًا.
أكثر ما استوقفني في كلماتها تلك الصورة البسيطة والمؤلمة: يدها التي لا تزال تبحث عن يد أبيها. ربما تبدو الجملة عادية لمن يمر عليها سريعًا، لكنها بالنسبة لي كانت تختصر حكاية الفقد كلها. فاليد التي نمسك بها في طفولتنا ليست مجرد يد إنها أول درس نتعلمه في الأمان.. يد تقودنا حين لا نعرف الطريق، وتحمينا حين نخاف، وتمسك بنا حين نتعثر، ثم نكبر ونحن نظن أننا لم نعد بحاجة إليها، إلى أن يرحل صاحبها فنكتشف الحقيقة متأخرين: أن الإنسان يمكن أن يكبر في العمر، لكنه لا يكبر أبدًا على أبيه.
لم أشعر أن علا كانت تشكو الحياة حين تحدثت عن مواجهتها وحدها، وإنما شعرت أنها تفتقد ذلك الشخص الذي كان يجعل مواجهة الحياة أقل قسوة، وهذه مسألة مختلفة تمامًا.. قد يكون الإنسان قويًا، وقد يتحمل مسؤولياته، وقد يقف في أصعب الظروف دون أن يمد يده طالبًا العون، لكنه في لحظة ما لا يريد نصيحة ولا حلًا ولا حتى وعدًا بأن الأمور ستتحسن؛ يريد أباه فقط يريد ذلك الصوت الذي اعتاد أن يطمئنه، حتى لو لم يقل شيئًا مهمًا.
ثم وصلت إلى حديثها عن مرض أمها، وهنا أصبح غياب الأب أكثر حضورًا شهران من تعب الأم ومرضها، كما فهمت من كلمات علا، كانا كافيين لكي تشعر بأن رحيل أبيها لم يكن مجرد ذكرى بعيدة، وإنما غيابًا يتجدد كلما احتاجت الأسرة إلى وجوده. تخيلت ابنة ترى أمها متعبة، فتتمنى لو كان أبوها هنا، ليس لأنه يستطيع أن يمنع المرض، فهناك أقدار لا يملك الإنسان أمامها إلا الدعاء، وإنما لأن وجود الأب في مثل هذه اللحظات يمنح الأسرة شيئًا لا توفره الأدوية؛ يمنحها شعورًا بأن الخوف موزع، وأن هناك كتفًا آخر يمكن أن يحمل معها ثقل اللحظة.
وهنا أدركت أن الأب قد يغيب بجسده، لكنه لا يغيب بسهولة من وظيفة الطمأنينة التي كان يؤديها في حياة أبنائه، نحتاجه حين تضيق بنا الأيام، ونحتاجه حين تفرحنا الحياة، ونحتاجه في الأخبار التي لا نعرف كيف نستقبلها، وفي الخيبات التي لا نريد أن نحكيها لأحد.. أحيانًا لا نبحث عن الأب لأنه قادر على حل مشكلاتنا، وإنما لأننا نريد أن نحكي له فقط. كان يكفي أن يسمعنا كي تصبح المشكلة أقل حجمًا، وكان يكفي أن يقول «أنا هنا» حتى يبدو العالم أقل قسوة.
ولهذا لم تمر أمامي كلمات علا عن البيت مرورًا عابرًا، حين تحدثت عن بحثها عن رائحة أبيها بين الجدران، وعن انتظارها غير الواعي لوقع خطواته، شعرت أن الإنسان بعد رحيل من يحب لا يبحث عنه في الأماكن لأنه يجهل الحقيقة، وإنما لأن القلب يحاول أن يستعيد شيئًا من المستحيل. تعرف أنه لن يدخل من الباب، ومع ذلك تلتفت عندما تسمع حركة في الخارج تعرف أن صوته لن يأتي من الغرفة المجاورة، ومع ذلك تظل بعض الحواس تنتظر ما تعرف الروح أنه لن يحدث.
العقل يتعلم الموت بسرعة، أما القلب فيتعلمه بالتقسيط.
ولهذا يمكن أن تمر ست سنوات، أو عشرون، وتبقى بعض اللحظات قادرة على فتح الجرح نفسه. ليس لأن الإنسان لم يتجاوز حزنه، وإنما لأن بعض الأحزان لا يكون تجاوزها هو الهدف أصلًا، نحن لا نريد أن نتجاوز الذين أحببناهم، نريد فقط أن نتعلم كيف نستمر من دونهم.
ثم جاءت الجملة التي شعرت أنها تختصر علاقة كاملة بين أب وابنته؛ حين تحدثت علا عن دموعها، وعن أبيها الذي كان لا يحتمل أن يرى دمعة في عينيها، فيمسحها ويقول لها: «دموعك غالية يا لؤلؤ» توقفت أمام هذه الجملة طويلًا، فالأب هنا لا يمسح دمعة فقط، وإنما يقول لابنته، بطريقته، إن حزنها يعني له الكثير، وإن دموعها شيء لا يحتمل رؤيته.
لكن المفارقة المؤلمة أن اليد التي كانت تمسح دموعها أصبحت هي نفسها غائبة، وأن الابنة التي كان أبوها يخشى دمعتها صارت مضطرة إلى البكاء من دونه.
وهنا يصبح الفقد أكثر من غياب إنسان.. الفقد هو غياب التفاصيل التي كانت تحدث لأن هذا الإنسان كان موجودًا نفتقد اليد التي تمسح الدموع، والصوت الذي يطمئن، والباب الذي كنا نعرف أن وراءه شخصًا يمكن أن نعود إليه، والحضن الذي كان يجعل الخوف أصغر، وحتى تلك الأشياء البسيطة التي لم نكن نمنحها اسمًا ونحن نعيشها، ثم اكتشفنا بعد الرحيل أنها كانت جزءًا من معنى الأمان.
لهذا شعرت أن علا لا ترثي أباها وحده، وإنما ترثي حياة كاملة كانت معه، ترثي بيتًا له صوت مختلف، وأيامًا لها مذاق آخر، وطفولة كان فيها الأب حاضرًا في الخلفية كأنه شيء ثابت لا يمكن أن يتغير، وعندما يرحل الأب، لا يرحل شخص واحد فقط؛ يرحل معه شكل كامل من أشكال الحياة، وتبقى الابنة تحاول أن تعيد ترتيب الأشياء من حولها، بينما تعرف في أعماقها أن هناك مكانًا لن يمتلئ.
لا أؤمن كثيرًا بالجملة التي تقول إن الزمن يشفي كل شيء، الزمن لا يشفي الغياب، ولا يعيد من رحل، ولا يعيد ترتيب البيت كما كان. الزمن يفعل شيئًا آخر؛ يجعلنا أكثر قدرة على حمل ما يؤلمنا نتعلم كيف نواصل حياتنا، كيف نضحك، كيف ننجح، كيف نذهب إلى أعمالنا، وكيف نجلس وسط الناس دون أن يعرف أحد أن في داخلنا مكانًا لا يزال يحتفظ بصوت قديم.
وهذا تحديدًا ما شعرت به في كلمات علا، ست سنوات مرت، لكنها لا تزال تبحث عن أبيها، لا تبحث عنه لأنها نسيت أنه مات، وإنما لأنها لم تنسَ أنه كان موجودًا هناك فرق كبير بين أن تتذكر إنسانًا، وأن تظل تشعر بحاجتك إليه، والآباء الذين منحونا الأمان لا يتحولون بسهولة إلى صور في الذاكرة؛ يظلون حاضرين في الطريقة التي نخاف بها، وفي الطريقة التي نفرح بها، وفي رغبتنا المفاجئة في أن نحكي لهم شيئًا حدث لنا، ثم نتذكر أن الهاتف لن يرن بالطريقة التي نريدها.
وحين وصلت إلى نهاية كلمات علا، لم أعد أقرأ عن ابنة فقدت أباها وحدها رأيت أمامي كل الذين فقدوا آباءهم، وكل من كبروا في العمر وظل في داخلهم طفل صغير لا يزال يريد أباه عندما يخاف، رأيت أولئك الذين تعلموا أن يقولوا «أنا بخير» رغم أنهم في الحقيقة كانوا يحتاجون فقط إلى شخص واحد يقول لهم: «تعال، أنا معك».
وربما لهذا بقيت صورة اليد في ذهني أكثر من أي شيء آخر يد الابنة التي امتدت إليها أيدٍ كثيرة، لكنها لا تزال تبحث عن يد أبيها. لأن بعض الأيدي لا يمكن أن يحل محلها أحد، ليس لقوتها، وإنما لما كانت تعنيه يد الأب ليست مجرد يد؛ إنها أول وطن صغير نعرفه، وأول طمأنينة نلمسها، وربما آخر طمأنينة نظل نبحث عنها طوال العمر.
خرجت من كلمات علا الشافعي وأنا أشعر أنني لم أقرأ رثاءً لأب في ذكراه السادسة، وإنما قرأت شهادة حب لم يستطع الموت أن ينهيها، قرأت عن ابنة لم يطفئ الزمن حاجتها إلى أبيها، ولم يستطع أن يقنع قلبها بأن الغياب يعني النسيان، ولذلك لم أجد ما أقوله لها بعد كل هذا الحزن إلا أن أدعو لأبيها بالرحمة والنور، وأن أقول لها إن بعض الأحزان لا تحتاج إلى مواساة بقدر ما تحتاج إلى من يفهمها.
فالذين نحبهم لا يعودون، وهذه أقسى حقائق الحياة، لكنهم يتركون فينا ما يجعل غيابهم أقل قدرة على محوهم يتركون أصواتهم في ذاكرتنا، وملامحهم في وجوهنا، وعاداتهم في تفاصيل أيامنا، وأمانهم في أرواحنا، وربما يبقى أجمل ما يتركه الأب بعد رحيله تلك اليد التي لا تكف عن البحث عن يده، حتى بعد ست سنوات، وحتى بعد أن يعرف العقل الحقيقة كاملة. لأن القلب لا يقيس الغياب بالسنوات، وإنما يقيسه بمقدار الحب.
وكلما كان الحب عظيمًا، ظلّت اليد تبحث طويلًا.