الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: بيتر ميمى..مخرج الروائع الذى يصنع الذاكرة

-

ليست الكاميرا وحدها التي تصنع المخرج، كما أن ضخامة الإنتاج لا تصنع عملًا عظيمًا، والنجوم مهما بلغت أسماؤهم لا يستطيعون وحدهم أن يمنحوا الحكاية روحها وراء كل عمل كبير عين ترى ما لا يراه الآخرون، وعقل يعرف كيف يحول الفكرة إلى صورة، والصورة إلى إحساس، والإحساس إلى ذاكرة، وحين تجتمع هذه العناصر في مخرج واحد، يصبح الحديث عنه مختلفًا، لأننا لا نكون أمام رجل يجلس خلف الكاميرا، وإنما أمام صاحب رؤية يترك بصمته على كل شيء يلمسه.
هنا يأتي بيتر ميمي،مخرج استطاع خلال سنوات قليلة أن يبني لنفسه مكانة خاصة في المشهد الدرامي والسينمائي المصري، وأن يثبت أن المخرج الحقيقي لا يعيش على نجاح واحد، ولا يكرر نفسه في كل عمل، وإنما يذهب في كل مرة إلى منطقة جديدة، وكأنه يعيد اكتشاف أدواته من جديد.
ولهذا لم يعد غريبًا أن يُقال عنه «مخرج الروائع».
فالروعة عند بيتر ميمي ليست مجرد صورة جميلة، ولا مشهدًا ضخمًا، ولا معركة مصنوعة بإتقان، وإنما هي القدرة على أن تجعل كل هذه العناصر تخدم الحكاية، وأن تمنح العمل هوية بصرية تجعله قابلًا لأن يُرى ويُتذكر.
من «كلبش» بأجزائه الثلاثة، بدأ بيتر ميمي يلفت الأنظار إلى مخرج يعرف كيف يصنع التشويق، وكيف يمنح الأكشن إيقاعه، وكيف يجعل الحركة جزءًا من الدراما وليس مجرد استعراض. ثم جاء «الاختيار» بأجزائه الثلاثة، فانتقلت التجربة إلى مساحة أكثر اتساعًا، وأصبح المخرج أمام مسؤولية التعامل مع أحداث وشخصيات ومشاهد جماعية ذات طبيعة استثنائية.
وهنا ظهرت موهبته الحقيقية، أن تدير مشهدًا كبيرًا ليس إنجازًا في حد ذاته، لكن أن تدير هذا المشهد دون أن تفقد الإنسان الذي يقف في قلبه، فهذه هي الصعوبة. وبيتر ميمي امتلك هذه القدرة في عدد كبير من مشاهده، إذ استطاع أن يجعل التفاصيل الكبيرة تتحرك حول الشخصيات، لا أن تبتلعها.
ثم جاء «الحشاشين» ليكشف وجهًا آخر من وجوه الموهبة. الدراما التاريخية ليست ملابس وديكورات وسيوفًا وخيولًا. التاريخ حين يدخل الشاشة يحتاج إلى روح، وإلى زمن له ملامحه، وإلى عالم يشعر المشاهد أنه حقيقي حتى لو كان قد عاش قبل قرون. وهنا كانت عين بيتر ميمي مطالبة بأن تبني عالمًا كاملًا، لا أن تصور حكاية فقط.
وفي «الحشاشين» ظهرت قدرته على التعامل مع الإنتاج الضخم بوصفه لغة درامية، لا مجرد ميزانية كبيرة، فالمواقع والديكورات والمعارك وحركة الكاميرا والإضاءة كلها جاءت لتصنع عالمًا له حضوره، وتمنح العمل اتساعًا بصريًا يليق بطبيعته التاريخية.
وهذه واحدة من أهم نقاط قوة بيتر ميمي، أنه يعرف قيمة الصورة هناك مخرج يصور المشهد، ومخرج آخر يصنع منه صورة، ومخرج ثالث يجعل الصورة تحمل معنى، وبيتر ميمي أقرب إلى النوع الثالث، لأنه يتعامل مع الكادر باعتباره مساحة للتعبير، وليس مجرد مكان يقف فيه الممثلون.
ولهذا أيضًا استطاع الانتقال بين عوالم مختلفة. في «الجسر» دخل منطقة الخيال والفانتازيا، وفي «مملكة الحرير» تعامل مع تجربة مختلفة في شكلها وبنيتها، ثم يواصل مغامرته مع «صحاب الأرض»، بينما يأتي «عشماوي» مع محمد رمضان ليشكل محطة جديدة في مسيرته، تحمل بدورها مساحة أخرى للاختبار والتحدي.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة المخرج الحقيقي، أن تستطيع أن تقول للجمهور في كل مرة: انتظروا مني شيئًا مختلفًا.
فالمخرج الذي يكرر نفسه قد ينجح، لكنه لا يتطور، أما المخرج الذي يغيّر أدواته ويحتفظ في الوقت نفسه ببصمته، فهو الذي يبني مشروعًا فنيًا. وبيتر ميمي يبدو من هذا النوع الذي لا يريد أن يكون أسير قالب واحد، ولا أن يُختصر اسمه في الأكشن، أو الدراما الوطنية، أو التاريخية، أو الفانتازيا.
هو يريد أن يثبت أن المخرج يستطيع أن يدخل أكثر من باب، وأن يترك خلفه في كل باب أثرًا.
ولعل أجمل ما في تجربته أنه لم يتعامل مع ضخامة العمل باعتبارها غاية، فالعمل الضخم قد يكون فارغًا إذا غابت عنه الروح، والمشهد المكلف قد يتحول إلى صورة بلا قيمة إذا لم يكن وراءه معنى ، لذلك تظل الموهبة الإخراجية هي العنصر الذي يمنح الإنتاج روحه، ويمنح الممثل مساحته، ويمنح النص حياته على الشاشة.
وهنا يمكن فهم سر نجاح بيتر ميمي إنه لا يخرج العمل من الورق إلى الشاشة فقط، بل يحاول أن يمنحه حياة أخرى. حياة تتحرك فيها الشخصيات، وتتحدث فيها الصورة، ويصبح الإيقاع جزءًا من الحكاية، ويشعر المشاهد أنه أمام عالم كامل وليس أمام مجموعة مشاهد متجاورة.
ولذلك فإن لقب «مخرج الروائع» لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره لقبًا احتفاليًا، وإنما باعتباره توصيفًا لمسيرة تتسع عامًا بعد آخر.
بيتر ميمي واحد من أولئك الذين يؤمنون بأن الإخراج مسؤولية قبل أن يكون شهرة، وأن الكاميرا أمانة، وأن المشاهد لا يمنح ثقته بسهولة. ولذلك حين ينجح المخرج في أن يأخذ الجمهور معه من الحلقة الأولى إلى الأخيرة، وأن يجعله ينتظر عمله التالي، فهذه ليست مصادفة، وإنما ثمرة رؤية وموهبة واجتهاد.
وحين تصبح الصورة متاحة للجميع، تظل القدرة على صناعة الصورة النادرة هي الامتحان الحقيقي.
وإذا كان بعض المخرجين يصنعون أعمالًا يشاهدها الناس، فإن هناك مخرجين يصنعون أعمالًا تعيش في ذاكرة الناس.
وبيتر ميمي يقترب من هذه المنطقة.
من «كلبش» إلى «الاختيار»، ومن «الجسر» إلى «الحشاشين»، ومن «مملكة الحرير» إلى «صحاب الأرض»، وصولًا إلى «عشماوي»، تتشكل أمامنا تجربة مخرج لا يكتفي بأن يكون حاضرًا في الموسم الدرامي، وإنما يسعى لأن يكون حاضرًا في ذاكرة الدراما المصرية نفسها.
وهنا يصبح اللقب مستحقًا لا مجاملة: بيتر ميمي.. مخرج الروائع، لأن بعض المخرجين يصنعون المشاهد، أما هو فيصنع الذاكرة.