الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: علاء فتحى..رجل الميدان الذى يعرف كيف يحمى الجيزة

-

في العمل الأمني، هناك رجال تصنعهم المناصب، وهناك رجال تصنعهم الخبرة والميدان، وحين يجتمع المنصب مع الخبرة، تصبح الثقة في صاحبها امتدادًا طبيعيًا لمسيرة من العمل والإنجاز، ومن هنا يمكن قراءة تجديد وزارة الداخلية الثقة في اللواء علاء فتحي مديرًا للإدارة العامة لمباحث الجيزة، باعتباره تقديرًا لمسيرة أمنية طويلة، راكم خلالها الرجل خبرات ميدانية واسعة، وأثبت قدرته على التعامل مع ملفات أمنية شديدة التعقيد، في محافظة لا تعرف الملفات السهلة ولا تسمح طبيعتها الأمنية بالعمل التقليدي.
فالجيزة ليست مجرد محافظة كبيرة على الخريطة، وإنما مساحة شديدة التنوع والتعقيد، تجمع بين الكثافة السكانية والامتدادات العمرانية والمناطق الشعبية والتجارية والصناعية والزراعية، وهو ما يجعل مسؤولية إدارة مباحثها مهمة تحتاج إلى قيادة تعرف التفاصيل، وتقرأ المشهد جيدًا، وتدرك أن نجاح العمل الأمني يبدأ من المعلومة الدقيقة، ويمر بحسن تقدير الموقف، وينتهي بتحرك سريع وحاسم في مواجهة الجريمة.
واللواء علاء فتحي واحد من القيادات التي صنعت خبرتها في قلب هذا الميدان، ولم تأتِ تجربته من موقع واحد أو مسؤولية واحدة، وإنما عبر رحلة مهنية تدرج خلالها في عدد من المواقع المهمة داخل مديرية أمن الجيزة، فتولى رئاسة مباحث قطاع أكتوبر، ثم قطاع جنوب الجيزة، كما تولى رئاسة مباحث قسم شرطة الجيزة وقسم إمبابة، وتولى كذلك مسؤولية مدير المباحث الجنائية بالجيزة، قبل أن يصل إلى موقع نائب مدير المباحث، ثم قيادة الإدارة العامة لمباحث الجيزة.
وهذه المسيرة لا يمكن اختزالها في مجرد مسميات وظيفية، لأن كل موقع من هذه المواقع كان مدرسة جديدة في التعامل مع الواقع، وكل منطقة تركت في خبرته معرفة مختلفة بطبيعة الشارع وملفاته، وهو ما منح اللواء علاء فتحي قدرة مهمة على التعامل مع المحافظة من الداخل، وفهم تفاصيلها الأمنية بعيدًا عن الرؤية النظرية أو المكتبية.
ولعل هذه واحدة من أهم نقاط القوة في تجربته؛ فهو رجل ميدان قبل أن يكون رجل مكتب، يعرف أن الجريمة لا تنتظر الإجراءات الطويلة، وأن التعامل معها يحتاج إلى يقظة دائمة ومعلومة صحيحة وتحليل دقيق وقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. وفي ملفات مثل مكافحة المخدرات وملاحقة العناصر الإجرامية وضبط الخارجين على القانون، تصبح الخبرة المتراكمة عاملًا حاسمًا في سرعة الوصول إلى المعلومات وتحويلها إلى تحرك أمني فعّال.
ولهذا فإن تجديد الثقة في اللواء علاء فتحي لا يبدو مجرد قرار إداري ضمن حركة التنقلات والترقيات، وإنما يحمل دلالة واضحة على تقدير ما قدمه خلال الفترة الماضية، وعلى الرهان على خبرته في مواصلة العمل داخل محافظة تحتاج إلى حضور أمني دائم، وقدرة مستمرة على استباق الجريمة قبل أن تتمدد أو تتحول إلى ظاهرة يصعب احتواؤها.
والإشادة باللواء علاء فتحي هنا لا تأتي من باب المجاملة، وإنما من زاوية مهنية تتعلق بطبيعة المسؤولية التي يحملها، فالقيادة الأمنية الناجحة لا تُقاس بعدد البيانات أو كثرة الظهور، وإنما بما يحدث في الشارع، وبقدرتها على بناء منظومة عمل تجعل رجل الشرطة قريبًا من المواطن، حاضرًا وقت الحاجة، وقادرًا على التعامل مع الموقف بحسم عندما يتعلق الأمر بأمن الناس.
وفي الوقت نفسه، فإن قوة رجل الشرطة لا تنفصل عن احترامه للقانون، بل إن هيبة الدولة الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن بأن القانون هو الحاكم، وأن رجل الشرطة يقف لحمايته وصون حقوقه، وأن الحزم في مواجهة الجريمة يسير جنبًا إلى جنب مع حسن التعامل واحترام كرامة الإنسان. وهذه المعادلة هي التي تمنح المؤسسة الأمنية ثقة المجتمع، وتحوّل الأمن من مجرد إجراءات إلى شعور يومي بالطمأنينة.
ومن هنا فإن استمرار اللواء علاء فتحي في موقعه يضع أمامه مسؤولية أكبر، لأن تجديد الثقة يعني أن ما تحقق أصبح نقطة انطلاق لا نقطة وصول. المطلوب هو الحفاظ على ما تحقق، وتطوير الأداء، والاستمرار في مواجهة الجريمة بمختلف صورها، والتعامل مع المستجدات الأمنية بعقل مفتوح وقدرة على التكيف مع واقع يتغير باستمرار.
فالجيزة تحتاج إلى قيادة تعرف أن الأمن عمل يومي لا يعرف الإجازات، وأن نجاح مهمة واحدة لا يعني انتهاء المهمة، وأن ضبط بؤرة إجرامية اليوم يجب أن يتبعه يقظة لمنع ظهور بؤرة أخرى غدًا، وأن حماية المواطن ليست شعارًا، وإنما مسؤولية تبدأ من الشارع وتنتهي عند تطبيق القانون.
وربما يكون أجمل ما في مسيرة اللواء علاء فتحي أنه وصل إلى موقعه الحالي بعد سنوات طويلة من الاحتكاك المباشر بالعمل الأمني، وهو ما جعله يحمل معه إلى قيادة مباحث الجيزة خبرة قطاعات وأقسام متعددة، وتجارب متراكمة في التعامل مع أصعب الملفات، ومعرفة حقيقية بطبيعة المكان الذي يتولى مسؤوليته.
ولهذا فإن تجديد الثقة فيه يحمل معنيين متلازمين: الأول تقدير لمسيرة مهنية أثبتت حضورها، والثاني تكليف جديد بمواصلة العمل بنفس اليقظة والانضباط، وربما بمسؤولية أكبر، لأن المحافظة التي يدير أمنها ليست مساحة عادية، والملفات التي أمامه تحتاج إلى عقل يعرف متى يتحرك، وكيف يتحرك، ومتى يكون الحسم هو الحل، ومتى يكون القانون وحده هو الفيصل.
وفي النهاية، يبقى الأمن الحقيقي هو ذلك الذي يشعر به المواطن دون أن يحتاج إلى البحث عنه، ويظهر أثره في الشارع قبل أن يظهر في الأخبار. ومن هذه الزاوية تأتي الإشادة باللواء علاء فتحي، باعتباره قيادة أمنية تدرجت في مواقع متعددة، واكتسبت خبرة ميدانية واسعة، ثم حملت هذه الخبرة إلى مسؤولية أكبر في قيادة مباحث الجيزة.
إن تجديد الثقة في الرجل ليس نهاية فصل، وإنما بداية فصل جديد من المسؤولية، عنوانه اليقظة، والانضباط، وسيادة القانون، ومواجهة الجريمة بلا تهاون، وحماية المواطن بلا ضجيج. وفي العمل الأمني، ربما تكون هذه هي المعادلة الأهم: أن تعمل كثيرًا، وأن تتحدث قليلًا، وأن يترك نجاحك أثره في الشارع قبل أن يترك إسمه في الأخبار.