مصطفي صلاح يكتب : القادم صادم إن شاء الله على كل الخونة

أن تقتل إنسانًا بكلمة، ثم تواصل يومك وكأن شيئًا لم يحدث، فهذه واحدة من أقسى صور الظلم التي أفرزتها بعض ممارسات السوشيال ميديا.. أن تضع صورة إنسان أمام الناس، وتكتب فوقها اتهامًا، أو تقتطع من حديثه جملة، أو تنشر عنه رواية لا تعرف حقيقتها، ثم تترك آلاف الأشخاص ينهشون سمعته، بينما تجلس أنت خلف شاشة هاتفك، لا ترى دموعه، ولا تسمع وجع أسرته وهي تسأل: لماذا فعلوا بنا ذلك؟ هذه ليست حرية، وهذا ليس نقدًا، وإنما ظلم قد يجد طريقه إلى الناس في ثوانٍ، بينما يحتاج صاحبه أحيانًا إلى سنوات حتى يمحو أثره.
فالظلم عندما يعبر من شاشة الهاتف يصبح أسرع من الحقيقة، وأقسى من الخصومة نفسها، لأن الإنسان يستطيع أن يواجه خصمه وجهًا لوجه، لكنه لا يستطيع أن يركض خلف آلاف المنشورات التي تحمل اسمه وصورته، وتعيد إنتاج الرواية نفسها كل دقيقة. وهنا تكمن المأساة، فالكلمة التي يكتبها شخص في لحظة غضب، أو بدافع الانتقام، قد تتحول إلى كرة من الثلج تكبر كلما تدحرجت بين الحسابات والصفحات، حتى يجد إنسان نفسه فجأة متهمًا أمام جمهور لا يعرفه، ولا يعرف حكايته، ولا يعنيه أن يعرف الحقيقة كاملة.
لقد تحولت بعض منصات التواصل إلى مساحة لتصفية الحسابات وتشويه السمعة وتحويل الخلاف الشخصي إلى حملة مفتوحة، خلاف قديم يتحول إلى منشور، والمنشور إلى عشرات المشاركات، والمشاركة إلى موجة من الاتهامات، ثم يصبح الإنسان الذي كان يعيش حياته بعيدًا عن كل ذلك، موضوعًا للنقاش والاتهام والسباب، وكأن حياته أصبحت ملكًا لمن قرر أن يختلف معه.
والأقسى من ذلك أن المظلوم غالبًا لا يملك الوسيلة نفسها للدفاع عن نفسه، قد يكتب ردًا، بينما تكون الإساءة قد وصلت إلى آلاف الأشخاص، وقد يوضح الحقيقة، بينما يكون البعض قد حفظ الاتهام ونسي التوضيح، وقد يثبت براءته، لكن الصورة الأولى تظل عالقة في ذاكرة من شاهدها، لأن الناس كثيرًا ما تتذكر ما صدمها قبل أن تتذكر ما صححه.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا أصبحنا نفعل ببعضنا؟ هل أصبح الاختلاف مبررًا لإهانة الإنسان؟ وهل أصبحت الخصومة تصريحًا بنشر أسراره؟ وهل أصبح الغضب سببًا كافيًا لاتهام الآخرين بما لا نملك عليه دليلًا؟ وهل صار عدد المشاركات أهم من حقيقة ما نشارك؟ إنها أسئلة مؤلمة، لكنها ضرورية، لأن السوشيال ميديا ليست محكمة، وعدد المتابعين ليس دليلًا، وكثرة التعليقات ليست شهادة حق، وانتشار المنشور لا يمنحه صك الحقيقة.
ومن هنا تبدأ مسؤولية كل إنسان يحمل هاتفًا ويملك حسابًا، فليس كل ما يصل إلينا يستحق أن نعيد نشره، وليس كل ما يكتبه شخص يصبح حقيقة لمجرد أنه كتبه بثقة، وليس كل رواية مثيرة تستحق أن تتحول إلى حديث عام. لا تشارك ما لا تعرف مصدره، ولا تردد اتهامًا لمجرد أن شخصًا كتبه، ولا تحول خلافك الشخصي إلى فضيحة عامة، ولا تجعل من إنسان آخر ضحية سهلة لأنك غاضب منه. ومن لديه دليل فليقدمه إلى الجهات المختصة، ومن يملك واقعة فليعرضها كما هي، أما أن يتحول الفضاء الإلكتروني إلى ساحة للانتقام، فهذه ليست شجاعة، وإنما هروب من المسؤولية.
والمشكلة لا تتوقف عند الشخص الذي يكتب الاتهام، وإنما تمتد إلى كل من يراه ويقرر أن يمنحه حياة جديدة بالمشاركة والتعليق وإعادة النشر. فهناك من يضغط على زر المشاركة دون أن يسأل نفسه: من أين جاءت هذه المعلومة؟ وهل هي صحيحة؟ وهل أملك دليلًا عليها؟ وهل يمكن أن أتسبب في ظلم إنسان إذا نشرتها؟ أسئلة بسيطة، لكنها قادرة على إيقاف كثير من الأذى قبل أن يبدأ.
فليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل صورة دليلًا، وليس كل تسجيل كاملًا، وليس كل مقطع يعرض القصة من بدايتها إلى نهايتها. أحيانًا تكفي ثوانٍ مقتطعة من حديث طويل حتى يتغير المعنى، وتكفي صورة قديمة حتى تُبنى عليها رواية جديدة، وتكفي جملة خرجت من سياقها حتى يصبح صاحبها متهمًا أمام جمهور لم يسمع بقية الكلام.
وهنا يصبح الوعي ضرورة، لأن مواجهة الشائعة لا تبدأ بعد انتشارها، وإنما تبدأ قبل أن نضغط زر المشاركة. الإنسان الواعي ليس الذي يعرف كيف ينشر بسرعة، وإنما الذي يعرف متى يتوقف، ومتى يسأل، ومتى يقول: لا أعرف، ولذلك لن أشارك.
النقد حق، والاختلاف حق، ومراجعة أي موقف أو تصرف أمر طبيعي، لكن هناك مسافة واسعة بين أن تنتقد تصرفًا وبين أن تهدم سمعة إنسان، وبين أن تختلف مع شخص وبين أن تنشر أسراره، وبين أن تعترض على موقف وبين أن توجه إليه اتهامًا لا تملك عليه دليلًا. المشكلة ليست في أن تكون لدينا آراء مختلفة، وإنما في أن يتحول الخلاف إلى رغبة في الإيذاء، وأن يصبح الانتقام هو اللغة الوحيدة التي يعرفها البعض عندما يغضب.
نحن بحاجة إلى استعادة شيء بسيط جدًا، لكنه أصبح نادرًا في بعض مساحات الكلام: الضمير. أن يتذكر من يكتب أن وراء الاسم إنسانًا، وأن يتذكر من يشارك أن وراء الصورة أسرة، وأن يتذكر من يضغط على زر «إرسال» أن هناك كلمات قد تعود إليه يومًا، ليس باعتبارها منشورًا قديمًا، وإنما باعتبارها أثرًا تركه في حياة إنسان.
كم من شخص دخل إلى هاتفه في الصباح، فوجد نفسه هدفًا لحملة لا يعرف من بدأها؟ وكم من أم أو أب رأيا اسم ابنهما يتردد في منشورات تحمل اتهامات لا يعرفان حقيقتها؟ وكم من إنسان اضطر إلى الدفاع عن نفسه أمام أشخاص لم يجلس معهم يومًا، ولم يعرفهم في حياته؟ تلك هي الزاوية التي يجب أن ننظر إليها قبل أن نضغط زر المشاركة: الإنسان.
فالمنشور قد يستغرق منك ثواني، لكن أثره في حياة إنسان قد يستمر سنوات، وقد تكون الجملة التي تراها أنت عابرة، هي نفسها الجملة التي يقضي شخص آخر شهورًا في محاولة تجاوز أثرها. ولهذا لا نحتاج إلى مجتمع يخاف من الكلام، وإنما إلى مجتمع يعرف مسؤولية الكلام، لا نريد أن نغلق باب النقد، وإنما نريد أن نغلق باب التشهير، ولا نريد أن نمنع الاختلاف، وإنما نريد أن نمنع تحويل الاختلاف إلى كراهية، ولا نريد أن نطارد كل رأي مخالف، وإنما نريد أن يكون لكل اتهام دليل، ولكل معلومة مصدر، ولكل جريمة قانون يحاسب مرتكبها.
أما المظلوم، ذلك الإنسان الذي وجد نفسه فجأة هدفًا لحملة لا يعرف من أشعلها ولا لماذا، فهو أكثر من يحتاج إلى أن يتذكر المجتمع أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت. قد يُهزم الإنسان أمام موجة من الأكاذيب في لحظة، وقد يشعر أن الجميع ضده، وقد يقف أمام هاتفه عاجزًا وهو يرى اسمه يتردد في مئات الصفحات، لكنه يظل يملك شيئًا لا يستطيع أحد مصادرته منه: الحقيقة.
ولهذا فإن القادم يجب أن يكون صادمًا، نعم، لكن صدمته لا تكون بالشتائم ولا بالانتقام، وإنما بسقوط ثقافة التشهير، وبأن يعرف كل من يختبئ خلف شاشة أن المسؤولية لا تسقط لمجرد أن الاسم مستعار، وأن من جعل من السوشيال ميديا وسيلة لتصفية الحسابات عليه أن يدرك أن الإنسان ليس منشورًا، وأن سمعته ليست مادة للفرجة، وأن حياته ليست ملكًا لمن قرر أن ينتقم منه.
والقادم ينبغي أن يكون صادمًا لكل من يظن أن إشعال الفتنة بطولة، أو أن التشكيك بلا دليل موقف، أو أن إخفاء الوجه خلف حساب إلكتروني يعني سقوط المسؤولية. لا، الكلمة مسؤولية، والمنشور مسؤولية، والمشاركة مسؤولية، والحقيقة مسؤولية، وما نكتبه اليوم قد يظل شاهدًا علينا غدًا.
علينا أن ننتبه إلى كل خطاب أو حساب يسعى إلى إشعال الفتنة وتعميق الانقسام بين الناس، وأن ندرك أن أخطر ما يمكن أن نمنحه لهذه المحاولات هو أن نسمح لها بأن تفرق بيننا. فلنواجه الشائعة بالوعي، والاتهام بالدليل، والخلاف بالحوار، ولنترك للقانون أن يأخذ مجراه، وللقلوب أن تتصالح، فمصر أكبر من خصوماتنا، وأبقى من حملات التشويه، وأوسع من أن تضيق بأبنائها مهما اختلفوا.
نحن في النهاية أبناء أرض واحدة، يجمعنا وطن واحد، وتظل بيننا روابط لا ينبغي أن تمزقها خصومة عابرة أو منشور مشحون بالكراهية، وكما كتب الشاعر الكبير سيد حجاب، وظلت كلماته تختصر معنى الانتماء والبساطة والدفء المصري: «حلي ضفايرك ضليلة.. ولملمينا يا أصيلة، عشاق ترابك أحبابِك.. وكلنا أهل وعيلة».

