حمدية عبد الغنى تكتب: الأوبرا..من يدير بيت الفن المصري؟

ما يحدث في دار الأوبرا المصرية ليس مجرد أزمة مهرجان.. وهذه المرة لا يجوز أن نكتفي بتبادل التصريحات والإعتذارات، ثم ننتظر أن تهدأ العاصفة.
الدورة ال34 من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية لم تبدأ بعد، لكنها بدأت بأزمة غير مسبوقة.. علي الحجار يعتذر، ومحمد ثروت ينسحب، ثم تتوالى إعتذارات أخرى، بينما يعلن رئيس دار الأوبرا الدكتور رضا الوكيل رحيله عن منصبه.
فماذا يحدث؟ هل المشكلة في نقص الميزانية؟ أم في طريقة إدارة الميزانية؟ أم في طريقة الحديث مع الفنانين والتعامل معهم؟ أم أن هناك خلافا أعمق حول شكل إدارة الأوبرا وخياراتها الفنية؟.
الميزانية المحدودة ليست عيبا، لكن أن تصل مؤسسة بحجم دار الأوبرا إلى أزمة تجعل فنانا بحجم "علي الحجار" يصف الميزانية المخصصة لفرقته بأنها "ضعيفة ومهينة"، ثم يعلن "محمد ثروت" أنه لن يقبل ما أعتبره إهانة للفن المصري والفنانين، فهنا يجب أن نتوقف طويلا ،لأن الأخطر من قيمة الأجر هو لغة التعامل.
الفنان ليس مجرد رقم في كشف الحساب، والموسيقي الذي يقف خلفه ليس تفصيلا يمكن الإستغناء عنه.. هؤلاء جزء من المنتج الفني الذي تقدمه الأوبرا، وجزء من القيمة التي يأتي الجمهور من أجلها.
وفي المقابل، من حق الأوبرا أن تضع ميزانيتها وحدود إنفاقها، لكن إدارة الإختلاف تحتاج إلى تفاوض وإحترام، وحساب دقيق لما تخسره المؤسسة عندما يتحول الخلاف المالي إلى أزمة كرامة وثقة.
وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية: هل كان "رضا الوكيل " يسعى إلى إعادة ترتيب المشهد الفني داخل الأوبرا، وتغيير خريطة الأسماء والسياسات التي إعتادت عليها المؤسسة؟.
إذا كان الأمر كذلك، فالتغيير في حد ذاته ليس جريمة، بل قد يكون مطلوبا في أي مؤسسة تريد التطوير، لكن التغيير يحتاج إلى رؤية واضحة، وحوار، وتدرج، وليس إلى صدامات تفتح أبواب الأزمات.
ثم يأتي السؤال الأصعب: هل كان إنسحاب الفنانين هو الحل؟
أتفهم أن الفنان قد يرفض أجرا يراه لا يليق به أو بفرقته، ومن حقه أن يعترض على أي موقف يشعر أنه يمس مكانته، لكن مهرجان الموسيقى العربية ليس ملكا لإدارة الأوبرا ولا لفنان بعينه.. إنه مهرجان مصري، يحمل إسم مصر ، وله تاريخ ومكانة تتجاوز الأشخاص.
ألم يكن من الأفضل أن يقف الفنان إلى جانب مهرجان بلده، حتى وهو مختلف مع إدارته؟ أن يغني، ويعلن إعتراضه، ويفتح باب الحوار، بدلا من أن يصبح المهرجان نفسه ضحية للخلاف؟.
ثم تأتي الإستقالة لتفتح الباب أمام سؤال أكبر.. رئيس الأوبرا يقول إنه رفض التدخل في إختياراته الفنية، بينما جاءت إستقالته بعد ساعات من المؤتمر الذي فجر الأزمة.
إذن نحن أمام أكثر من مشكلة في وقت واحد.. ميزانية، وإدارة، وعلاقة مضطربة مع بعض الفنانين، وخلاف حول حدود القرار الإداري والفني،وهنا لا بد من وقفة جادة.
دار الأوبرا ليست مؤسسة عادية، ومهرجان الموسيقى العربية ليس حفلات متتالية ..نحن نتحدث عن واحدة من أهم واجهات مصر الثقافية، وعن مهرجان يمثل جزء من قوتها الناعمة،لذلك لا يكفي أن يستمر المهرجان أو أن يتم تغيير بعض أسماء المشاركين.. المطلوب أن نعرف لماذا وصلت الأمور إلى هذه النقطة؟ ومن المسؤول عن إدارة هذا الملف؟ وكيف نضمن ألا تتحول كل أزمة فنية مقبلة إلى معركة جديدة؟
المطلوب ليس الإنحياز لفنان ضد إدارة، ولا لإدارة ضد فنان...المطلوب أن تستعيد الأوبرا هيبتها، وأن يستعيد الفنان ثقته، وأن يبقى مهرجان الموسيقى العربية أكبر من الخلافات والأشخاص.
فإذا كان بيت الفن المصري نفسه عاجزا عن إدارة الإختلاف داخل جدرانه، فهذه هي الأزمة الحقيقية التي تستحق أن نناقشها.

