الموجز اليوم
الموجز اليوم

مروة أحمد عبد العليم تكتب: الدبلوماسية العربية فى مواجهة الأزمات

-

يشهد النظام الإقليمي العربي خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة فرضت تحديات جديدة على مفهوم الأمن العربي، في ظل تداخل الأزمات والصراعات الإقليمية وتزايد تأثير التطورات الدولية على أمن دول المنطقة واستقرارها.

وفي هذا السياق، تتزايد أهمية البحث في طبيعة التحديات التي تواجه الأمن العربي، وكيفية التعامل معها في ظل البيئة الإقليمية والدولية المتغيرة.

ومن بين القراءات التي تناولت هذه التحولات، يأتي مقال نشره المجلس الروسي للشؤون الدولية للباحث إيفان بوتشاروف، ويتناول أبرز التحديات التي تواجه الأمن في العالم العربي، إلى جانب طبيعة الشراكات والترتيبات الأمنية التي تتشكل في المنطقة في ظل هذه التغيرات.

يبدأ بوتشاروف من حقيقة أن الأمن في العالم العربي لم يعد قضية يمكن التعامل معها من زاوية واحدة، فالدول العربية تختلف في أولوياتها ومصالحها وطبيعة التهديدات التي تواجهها، كما تختلف الأدوات التي تستخدمها لحماية أمنها وتعزيز موقعها الإقليمي، وبينما تبدو دول الخليج أكثر تقاربًا في رؤيتها لبعض القضايا الأمنية، فإن صياغة سياسة موحدة على مستوى العالم العربي تظل أكثر تعقيدًا، وتشترك دول الخليج في عدد من الأولويات، أبرزها حماية البنية التحتية الحيوية، وتأمين الممرات البحرية، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، ومنع انتقال النزاعات المسلحة إلى أراضيها. لكن هذه المصالح المشتركة لا تعني وجود رؤية عربية موحدة للأمن، وهو ما يظهر في محدودية قدرة جامعة الدول العربية على صياغة وتنفيذ سياسة أمنية مشتركة.

وخلال أزمات مثل الحرب في قطاع غزة والنزاع حول إيران، اقتصر دور الجامعة العربية بدرجة كبيرة على البيانات والمواقف السياسية، بينما كان مجلس التعاون لدول الخليج العربية أكثر حضورًا في الملفات الأمنية، باعتبار أن الأمن يمثل أحد المجالات الأساسية لعمله.

ويتناول المقال كذلك العلاقة المتزايدة بين الأمن والاقتصاد، إذ لم تعد آثار النزاعات تقتصر على الجيوش والحدود، وإنما تمتد إلى التجارة والطاقة والنقل والاستثمار.

وقد أظهرت الأزمة حول إيران في عام 2026 هذه العلاقة بوضوح، بعدما أدى تقييد الملاحة عبر مضيق هرمز والهجمات على منشآت في دول الخليج إلى التأثير مباشرة على اقتصادات المنطقة، ورغم عودة حركة الملاحة عبر المضيق جزئيًا بعد تراجع حدة المواجهات، فإنها ظلت أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب. وأظهرت الأزمة في الوقت نفسه أن الاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية لا يوفر حماية كاملة من تداعيات الصراعات الإقليمية.

إيران في قلب الحسابات الأمنية
تأتي إيران في مقدمة مصادر التهديد التي تحظى باهتمام عدد من الدول العربية، لكن النظرة إليها تختلف من دولة إلى أخرى.

فابالنسبة إلى دول الخليج، يرتبط الخطر بصورة أساسية بإمكانية استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية والنقل بالصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى القدرة على التأثير في حركة الملاحة البحرية، أما بالنسبة إلى دول عربية أخرى، فيظهر العامل الإيراني بصورة غير مباشرة، من خلال دعم جماعات مسلحة أو التأثير في التوازنات الإقليمية. ورغم ذلك، لم تتعامل الدول العربية مع إيران دائمًا باعتبارها خصمًا مباشرًا، فقد سعت بعض دول الخليج خلال السنوات الماضية إلى الحفاظ على علاقات عملية معها، بهدف تقليل فرص المواجهة مع دولة مجاورة تمتلك قدرات عسكرية كبيرة.

وفي عام 2023، استأنفت السعودية وإيران علاقاتهما بوساطة صينية، ثم أجرتا تدريبات بحرية مشتركة، بينما حافظت الإمارات على علاقات اقتصادية مع إيران رغم استمرار الخلافات السياسية، لكن أزمة عام 2026 غيرت بعض الحسابات، فقد تعرضت أراضي دول تضم منشآت عسكرية أمريكية لهجمات إيرانية، وطالت الهجمات منشآت وبنية تحتية ذات أهمية للاقتصادات الخليجية، كما تأثرت حركة الملاحة في مضيق هرمز. وفي مواجهة هذه التطورات، تحركت البحرين في مجلس الأمن الدولي، وقدمت في مارس 2026، باسم دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، قرارًا يدين الهجمات الإيرانية على دول المنطقة، ثم طرحت لاحقًا مشروع قرار يتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز وحرية حركة السفن. وفي الوقت نفسه، بدأ اتجاه أكثر وضوحًا نحو تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، وتطوير أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتوسيع شبكة الشركاء الأمنيين. لكن انتهاء المرحلة الأكثر سخونة من النزاع لم يلغِ محاولات الحوار مع إيران، إذ سعت دول عربية إلى البحث عن آليات تقلل احتمالات تجدد المواجهة. ويظهر هذا التوازن في حالة الإمارات، التي اتجهت في بعض المراحل إلى تعزيز الحوار، لكنها أوقفت في أغسطس 2026 العمليات التجارية والمالية مع إيران على خلفية جولة جديدة من التصعيد.

إسرائيل والجماعات المسلحة.. أكثر من مصدر للتهديد
لا تتعامل الدول العربية بالطريقة نفسها مع إسرائيل والجماعات المسلحة، إذ تختلف طبيعة التهديدات باختلاف الموقع والمصالح والظروف الأمنية لكل دولة.

ففي حين تمثل إسرائيل عاملًا أمنيًا مباشرًا بالنسبة إلى بعض دول شرق المتوسط، فإن معظم دول الخليج لا تنظر إليها باعتبارها تهديدًا عسكريًا مباشرًا. وأظهرت محاولة استهداف ممثلين عن القيادة السياسية لحركة حماس في الدوحة حساسية هذا الملف بالنسبة إلى دول الخليج، خاصة مع وقوع الضربة على الأراضي القطرية، رغم علاقات الدوحة الوثيقة مع الولايات المتحدة ومشاركتها في مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة. ومع ذلك، لم تؤدِ هذه الحادثة إلى تغيير جذري في السياسات الأمنية لدول الخليج.
وفي سوريا، أدى سقوط بشار الأسد إلى تغير المشهد الداخلي، بينما احتفظت إسرائيل بهامش واسع للتحرك العسكري. وفي المقابل، واجهت السلطات الجديدة تحديًا يتعلق باستعادة السيطرة على أراضي البلاد ودمج التشكيلات المسلحة المختلفة. وتزيد طبيعة الموقع الجغرافي لسوريا، المحاطة بتركيا والعراق والأردن ولبنان، إلى جانب ضعف المؤسسات، من صعوبة التعامل مع أنشطة التهريب والجريمة العابرة للحدود، بما في ذلك تهريب الأسلحة والمخدرات. وكانت سوريا قبل عام 2024 مركزًا رئيسيًا لإنتاج وتصدير الكبتاجون، وقد جرى تفكيك جزء من هذه الأنشطة بعد تغير السلطة، إلا أن المشكلة لم تنتهِ بصورة كاملة.

وفي لبنان، يظل الصراع بين إسرائيل وحزب الله أحد أبرز مصادر التوتر. وبعد تصعيد عام 2026، بدأت مفاوضات بين إسرائيل ولبنان بوساطة أمريكية، انتهت في يونيو إلى إطار لاتفاق وقف إطلاق النار، شمل توسيع سيطرة الجيش اللبناني على الجنوب، وانسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا، ونزع سلاح حزب الله، لكن تنفيذ هذا الإطار واجه صعوبات، خصوصًا أن حزب الله لم يشارك في المفاوضات ويرفض نزع سلاحه بصورة كاملة، كما أن قضية السلاح لا ترتبط بالجانب الأمني وحده، وإنما تمثل أيضًا مسألة سياسية داخلية في لبنان. وتتجاوز المخاطر التي تفرضها الجماعات المسلحة حدود الدول التي تنشط فيها، مع استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف طرق الملاحة ومنشآت الطاقة والنقل والمناطق الحدودية.

ويأتي أنصار الله في اليمن ضمن أبرز مصادر عدم الاستقرار في البحر الأحمر. فمنذ أكتوبر 2023، ارتبطت هجماتهم في البداية بالحرب في غزة، قبل أن تتوسع أنشطتهم العسكرية لاحقًا. وخلال تصعيد صيف 2026، استهدفت الجماعة قوات الحكومة اليمنية وأراضي سعودية، وأعلنت نيتها فرض حصار بحري على السعودية، كما استهدفت منشآت نفطية سعودية على ساحل البحر الأحمر. وأدى ذلك إلى تراجع حركة السفن عبر باب المندب، ومنح الجماعة مساحة أكبر للتأثير في السعودية ومصر وحركة التجارة الدولية.

وفي العراق، ما تزال العديد من التشكيلات المسلحة الشيعية، بما في ذلك تشكيلات مرتبطة بهيئة الحشد الشعبي، تحتفظ بنفوذ مؤثر. ويكتسب هذا الوضع أهمية خاصة في ظل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وإمكانية استخدام الأراضي العراقية لاستهداف منشآت أمريكية أو حلفائها.

وفي قطاع غزة، لا تزال حركتا حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني تحتفظان بقدرة على خوض مواجهة مسلحة مع إسرائيل، في ظل عدم التوصل إلى تسوية سياسية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن اختزال جميع هذه الجماعات باعتبارها مجرد أدوات إيرانية، إذ تتمتع بعض هذه التنظيمات بدرجات من الاستقلال، ولها مصالحها السياسية والاقتصادية الخاصة، حتى مع استفادتها من الدعم الإيراني.

تنافس عربي وشراكات جديدة
لا تقتصر التحديات الأمنية على التهديدات القادمة من خارج الدول العربية، وإنما تمتد إلى الخلافات والمنافسات داخل المنطقة نفسها. ويبرز التنافس السعودي الإماراتي في ملفات مثل اليمن والسودان وليبيا والصومال. وفي نهاية عام 2025، أدى هجوم نفذه المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات في حضرموت والمهرة إلى صدام مع المصالح السعودية، وبعد ذلك، استُهدفت سفينتان تحملان أسلحة للمجلس قادمتين من الإمارات، فيما طالبت الرياض أبوظبي بسحب قواتها من اليمن.
وتبقى المنافسة بين الجزائر والمغرب مثالًا آخر على استمرار الخلافات العربية التي تحد من إمكانية تشكيل رؤية أمنية مشتركة على مستوى المنطقة. وفي المقابل، ظهرت خلال الفترة الأخيرة ترتيبات وشراكات أمنية جديدة، من بينها اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان الذي وقع في مكة في أغسطس 2026، وينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا. ولا يعني وجود مثل هذا الاتفاق بالضرورة الدخول في حرب، إذ يتطلب تطبيق الدفاع الجماعي وجود ترتيبات واضحة للقيادة والتنسيق العسكري وتوحيد المعايير والإجراءات بين الأطراف.

كما توسعت الشراكة الدفاعية بين الإمارات والهند خلال عام 2026، وشملت التعاون بين القوات المسلحة والصناعات الدفاعية. وفي سياق آخر، يستمر التعاون الأمني بين إسرائيل وبعض الدول العربية التي وقعت اتفاقات إبراهام. وخلال الصراع مع إيران في عام 2026، نشرت إسرائيل بطاريات من منظومة القبة الحديدية في الإمارات، إلى جانب أفراد لتشغيلها، لكن هذا التعاون يظل حساسًا في ظل الحرب في غزة والحسابات السياسية للدول العربية.

مصر وقطر وعُمان.. الدبلوماسية في مواجهة الأزمات
إلى جانب القدرات العسكرية والشراكات الأمنية، تمثل الدبلوماسية والوساطة إحدى الأدوات الأساسية التي تستخدمها الدول العربية للتعامل مع الأزمات. وتبرز في هذا المجال أدوار مصر وقطر وعُمان. ومنذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، كانت القاهرة والدوحة من أبرز القنوات التي شاركت في الاتصالات بين إسرائيل وحماس، وترتبط التحركات المصرية بصورة خاصة بأمن الحدود ومنع انتقال الفلسطينيين بصورة جماعية إلى سيناء، بينما تستند الوساطة القطرية إلى علاقاتها مع الولايات المتحدة وقدرتها على التواصل مع أطراف على خلاف مع واشنطن وحلفائها.

وفي أكتوبر 2025، توصلت إسرائيل وحماس، بمساعدة مصر وقطر والولايات المتحدة، إلى المرحلة الأولى من اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل الرهائن. وفي 13 أكتوبر، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس عبد الفتاح السيسي وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتفاق وقف إطلاق النار خلال قمة غزة في شرم الشيخ، واستمرت الخلافات بشأن المراحل اللاحقة من الاتفاق، وامتد الدور الدبلوماسي لدول المنطقة إلى ملفات أخرى، إذ شاركت قطر في المفاوضات المتعلقة بمضيق هرمز ووقف القتال بين الولايات المتحدة وإيران، بينما نقلت عُمان رسائل بين واشنطن وطهران وساعدت في تنظيم المفاوضات خلال عام 2026. كما تمثل المساعدات الإنسانية ومشروعات إعادة الإعمار جزءًا من الحضور الإقليمي للدول العربية، خاصة في سوريا وقطاع غزة.
أمن عربي بلا صيغة واحدة
في النهاية، يطرح المقال صورة لأمن عربي تحكمه بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الصراعات بين الدول مع نشاط الجماعات المسلحة، إلى جانب التهديدات التي تطال الطاقة والملاحة والبنية التحتية، وتستخدم الدول العربية مجموعة متنوعة من الأدوات للتعامل مع هذه التحديات، تبدأ من تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، مرورًا بتنويع الشراكات الخارجية والتعاون مع القوى الإقليمية والدولية، وصولًا إلى استمرار العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة. ولا تبدو المنطقة منقسمة إلى كتلتين أمنيتين متقابلتين بشكل واضح، إذ تحافظ الدول العربية على مساحة للمناورة، وتختار شراكاتها وفقًا لطبيعة التهديدات والمصالح التي تراها أكثر أهمية.

وفي الوقت نفسه، تظل الدبلوماسية حاضرة إلى جانب القوة العسكرية، سواء من خلال الوساطة والاتصالات السياسية أو المساعدات الإنسانية وجهود إعادة الإعمار.

ويخلص بوتشاروف إلى أن الأمن العربي لا يتحرك وفق نموذج واحد، وإنما يتشكل من ترتيبات وشراكات متغيرة تستجيب للتهديدات والمصالح المختلفة. وتحد الخلافات العربية وتباين تقديرات الدول لطبيعة المخاطر من إمكانية بناء منظومة أمنية موحدة، لكن ذلك لا يمنع ظهور صيغ جديدة للتعاون، غالبًا ما ترتبط بأزمات أو تهديدات محددة.