الموجز اليوم
الموجز اليوم

هشام الشحات يكتب: صورة الإسلام والمسلمين في الغرب..العلاقة التاريخية والمتغيرات الراهنة

-

كثر الحديث تحت وطأة الأحداث الجارية عمّا يوصف عموما بصورة الإسلام والمسلمين في الغرب، ولعلّ عنفوان الأحداث ساهم في انزلاق بعض ما يقال ويكتب حول ذلك إلى التعميم، فكأنّنا بصدد مشهد مصوّر محدّد المضمون، واضح القسمات، أو كأنّنا أمام مرآة تعكس صورتنا بما فيها من السلبيّات، التي علينا نحن تغييرها، بتحسين أنفسنا، وتجنّب أخطائنا، فجميع ذلك هو في دائرة مسؤوليّتنا نحن!.
هذه كلمات مبسّطة، لوصف موجز لشيوع عملية التبسيط غير المنهجية في طرح هذا الموضوع ومحاولة علاجه. وبين أيدينا أربعة عوامل في العنوان المطروح: الغرب، الإسلام والمسلمون، معالم الصورة المقصودة، التعامل معها.
يلفت النظر أولا أنّ تبسيط الموضوع يتناقض مع أمر آخر نعرفه ونردّده غالبا، وقليلا ما ينعكس في معالجة هذا الموضوع بالذات، وهو أنّ الغرب ليس نسيجا واحدا متجانسا وإن وُجدت فيه قواسم مشتركة تبيح تسميته غربا على الإجمال. فالفوارق كبيرة بين دولة وأخرى، وبين فئة وفئة داخل الدولة الواحدة، وتشمل الفوارق ميادين عديدة، بدءا بالمنطلقات والتصوّرات الفكرية، مرورا بالمناهج والممارسات الثقافية والاجتماعية، وانتهاء بالمصالح المادية المعقّدة، الأبعد تأثيرا في صناعة الصورة المعنية بالحديث هنا، وإن لم تكن هي مصدر الدافع الأوّل إلى صناعتها.
إنّ هذا التنوّع يضع بين أيدينا عددا كبيرا ممّا نسميه الصور المنتشرة عن الإسلام والمسلمين، وهذه تختلف فيما بينها، فقد تبرز من بينها الصور التي يغلب عليها العداء الشديد، أو تلك التي تعكس تخوّفا كبيرا، ولكن كثيرا ما تغيب عن الأنظار صور أخرى، ينطوي بعضها على الإنصاف وروح التسامح والتعايش على مستوى كثير من المثقّفين، ويصل بعضها إلى درجة الإعجاب والاقتناع، وهو ما يعبّر عنه مثلا ازدياد عدد معتنقي الإسلام الغربيّين من مختلف الأعمار والفئات.
إنّنا نرصد هذه الصور الإيجابية، ولا نغفل عن أهميّتها، ولكنّها ليست موضع الحديث والتفصيل هنا، بل نتحدّث عن معالم الصورة السائدة في الغرب، ونقصد بها تحديدا صورة العداء والتخوّف، إنّما ينبغي أن نأخذ وجود تلك الصور الإيجابية الأخرى بعين الاعتبار، عند البحث عن العلاج أو عن أسلوب التعامل الأنسب مع الصورة السلبية.

نقطة أخرى يحسن التنويه بها في مطلع الحديث، وهي أنّ الصور المتعدّدة عن الإسلام والمسلمين في الغرب، تتكوّن من مزيج من العوامل التي يأتي التفصيل في بعضها لاحقا، وأحدها وجود الإسلام والمسلمين داخل الغرب نفسه، ولا يزال معظم من يتحدّث عن ذلك من داخل البلدان العربية والإسلامية، يتحدّث عن إسلام وافد ومسلمين وافدين إلى الغرب، فيقال عنهم أقليات وجاليات ومهاجرون وما شابه ذلك، وربّما صحّ بعض هذه الأوصاف في الماضي، أو صحّ على قسم من الوجود الإسلامي الحالي في الغرب، ولكنّه لا ينطبق على الغالبيّة العظمى أو على القسط الأكبر من هذا الوجود.
إنّ المسلمين في الغرب اليوم، هم بنسبة عالية قد تصل إلى الثلثين، إمّا من الغربيين المسلمين أهل البلاد الأصليين، أو من المتجنّسين، أو من المقيمين بصفة دائمة، جيلا بعد جيل، من الأجداد إلى الأحفاد، فهؤلاء جميعا أصبحوا جزءا عضويّا متميّزا من المجتمع الغربيّ نفسه، والنسبةُ القليلة الباقية وافدون ومهاجرون.
كما يتميّز الوجود الإسلامي في الغرب بأنّ زهاء ثلثيه يتمثّل في فئات الأطفال والناشئة والشبيبة، هذا مقابل أنّ نسبة هذه الفئات من غير المسلمين في الغرب تنخفض إلى الثلث في الهرم السكاني، وهو ما ينطوي على أهميّة مستقبلية كبيرة، لا تنفصل أو لا ينبغي أن نفصلها عن الحديث عن آفاق مستقبل صورة الإسلام والمسلمين في الغرب.