مصطفي صلاح يكتب: وفاء عامر فى السويس..تكريم بطعم الوفاء لمدينة لاتنسى تاريخها

هناك مدن لا نحتاج إلى زيارتها حتى نشعر بأننا نعرفها، مدن تدخل بيوتنا من باب الأغاني، وتسكن ذاكرتنا من خلال حكايات الآباء والأمهات، وتكبر في وجداننا كلما استعدنا ما قدمه أهلها من تضحيات، والسويس واحدة من هذه المدن التي لم تكن يومًا مجرد مكان على خريطة مصر، وإنما حكاية وطن، وذاكرة شعب، ووجوه عادية عاشت أيامًا استثنائية، ودفعت من أمنها وراحتها ثمنًا للحفاظ على الأرض والكرامة، وربما لهذا السبب تحديدًا، بدا تكريم الفنانة وفاء عامر في المدينة مختلفًا، فقد استقبلته بمشاعر تجاوزت فرحة الفنانة بالتقدير، إلى امتنان إنسانة تشعر بأنها أمام مكان يستحق الحب والوفاء.
في كلماتها عقب التكريم، لم تتحدث وفاء عامر عن درع تسلمته، أو مناسبة فنية شاركت فيها، بقدر ما تحدثت عن السويس نفسها، عن المدينة التي ظلت تحت الحصار، وحافظت على كرامتها، وعن بيوت ارتبطت في الوجدان المصري بحكايات المقاومة والتضحية، وكتبت مستعيدة كلمات الأغنية التي يعرفها المصريون: «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي، استشهد تحتك وتعيشي أنتِ»، ثم اختتمت رسالتها بعبارة تحمل من الصدق أكثر مما تحمله الكلمات الطويلة: «شكرًا شكرًا من القلب، هذا التكريم من أروع التكريمات في حياتي».
قد تبدو هذه الكلمات، للوهلة الأولى، رسالة شكر عادية من فنانة عقب تكريمها، لكن التوقف أمامها يكشف أن وراءها مشاعر أعمق، فبعض الأماكن تمنح الإنسان إحساسًا لا يستطيع تفسيره بسهولة، وكأنها تعرفه منذ زمن، حتى لو لم يعش فيها، أو لم تطأ قدماه شوارعها إلا مرات قليلة. وربما كانت علاقة وفاء عامر بالسويس من هذا النوع، علاقة بدأت في الطفولة، حين كانت تغني للمدينة، ثم امتدت إلى زيارة بعدما كبرت، تتذكر منها تناول السمك عند مدخلها، لتعود إليها هذه المرة وهي تحمل ذكرى قديمة، وتغادرها بذكرى جديدة ستظل مرتبطة بواحدة من أسعد لحظات حياتها.
كم هو جميل أن يكبر الإنسان، ثم يلتقي في الواقع شيئًا أحبه في طفولته، وأن يكتشف أن المسافة بين الأغنية والحقيقة لم تكن بعيدة كما تصور. فالطفلة التي كانت تغني للسويس لم تكن تعرف بالضرورة كل تفاصيل تاريخها، لكنها كانت تحفظ اسمها، وتردد كلماتها، وتشارك ملايين المصريين حب مدينة أصبحت بطولاتها جزءًا من الوعي الوطني. ثم جاءت السنوات، وكبرت الطفلة، وأصبحت فنانة يعرفها الجمهور، فإذا بها تقف في المدينة التي غنت لها قديمًا، وتجد نفسها أمام لحظة تستحق أن تقول عنها إنها من أروع لحظات حياتها.
ولعل أجمل ما في الحكاية أن السويس لم تستقبل وفاء عامر باعتبارها فنانة جاءت لتشارك في مناسبة وتنتهي علاقتها بالمكان بانتهاء الاحتفال، بل كانت المناسبة فرصة لاستعادة معنى أوسع، هو أن الفن، مهما اختلفت أشكاله، لا ينفصل عن الناس الذين يمنحونه الحياة، ولا عن المدن التي تختزن حكاياتهم. فالفنان قد ينسى تفاصيل كثيرة من رحلاته ومشاركاته، لكنه لا ينسى بالضرورة المكان الذي شعر فيه بأن التقدير يحمل معنى إنسانيًا خاصًا، وأنه لم يُمنح له وحده، وإنما يحيط به تاريخ من المشاعر والذكريات.
والسويس تستحق هذا الحب، ليس لأنها مدينة ارتبط اسمها بالبطولات فحسب، وإنما لأن وراء هذه البطولات بشرًا لهم بيوت وأسر وأحلام وحكايات.. حين نتحدث عن صمود المدن، قد نكتفي أحيانًا بذكر التواريخ والمعارك، لكن الحقيقة الأكثر إنسانية تسكن في تفاصيل الحياة اليومية، في أم انتظرت عودة ابنها، وأب حاول أن يحمي أسرته، وطفل اضطر إلى أن يكبر قبل أوانه، وأسرة تركت بيتها وهي لا تعرف متى تعود إليه. هؤلاء هم الذين يمنحون التاريخ وجهه الحقيقي، ويجعلون الحديث عن الوطن أكبر من الكلمات التي تتردد في المناسبات.
لقد ارتبط اسم السويس بالمقاومة خلال سنوات الحرب، وبمشاركة أبنائها في الدفاع عن مدينتهم خلال حرب أكتوبر 1973، وظلت ذاكرتها الوطنية حاضرة في الأغاني والحكايات، غير أن الوفاء لهذه المدينة لا ينبغي أن يتوقف عند استعادة الماضي، بل يبدأ أيضًا من الاهتمام بأهلها، والحفاظ على ذاكرتها، وتعريف الأجيال الجديدة بما عاشه أبناؤها، بعيدًا عن التلقين، وبالقرب من الإنسان الذي تحمل الخوف والألم، لكنه تمسك بأرضه وحقه في الحياة.
ومن هنا تأتي أهمية الفن، فالسينما والدراما قادرتان على إعادة الحياة إلى حكايات ربما لم يعد يعرفها كثيرون، وعلى نقل التاريخ من صفحات الكتب إلى مشاهد يشعر بها المشاهد، ويرى فيها أناسًا يشبهونه، ويكتشف أن البطولة ليست دائمًا في الأفعال الكبيرة وحدها، وإنما قد تكون في الصبر، وفي حماية الأسرة، وفي التمسك بالبيت، وفي الإصرار على العودة إلى الحياة بعد سنوات من الألم. وتستطيع المهرجانات الفنية أن تسهم في هذا الدور، حين تتجاوز حدود الاحتفاء بالمبدعين إلى الاهتمام بالمكان الذي تستضيف فيه فعالياتها، وتمنح تاريخه وأهله مساحة تليق بهما.
وفي هذا السياق، يستحق مهرجان VS-FILM التقدير على تكريم وفاء عامر، وعلى إتاحة مناسبة أعادت اسم السويس إلى دائرة الاهتمام من زاوية إنسانية قريبة من القلب. فنجاح الفعاليات الفنية لا يقاس فقط بعدد المشاركين أو الأسماء المكرمة، وإنما بما تتركه من أثر، وبقدرتها على صناعة لحظات حقيقية يتجاوز معناها حدود القاعة التي احتضنتها.
أما وفاء عامر، فقد منحت هذه المناسبة معناها الخاص حين تحدثت عن السويس بمحبة واضحة، ووجهت الشكر إلى منظمي المهرجان وأهل المدينة. لم تكن بحاجة إلى كلمات منمقة أو خطاب طويل، لأن صدق المشاعر لا يحتاج دائمًا إلى البلاغة، وأحيانًا تكفي عبارة بسيطة لتقول ما تعجز عنه صفحات كاملة.
ولعل ما يبقى من هذه الحكاية أن الفنانة لا تتذكر من التكريمات عددها، ولا قيمة الدروع التي حصل عليها، وإنما تلك اللحظة التي شعر فيها بأن المكان يبادله المحبة، وأن وراء الاحتفاء حكاية أكبر منه، وهذا ما جعل تكريم وفاء عامر في السويس يحمل طابعًا خاصًا، فالفنانة التي غنت للمدينة في طفولتها عادت إليها بعد سنوات، لتجد أن الأغنية القديمة ما زالت قادرة على فتح أبواب الذاكرة، وأن المدن التي تسكن القلب لا تشيخ في وجدان أصحابها.
ستظل السويس مدينة تستحق أن نحبها، لا من أجل تاريخها وحده، وإنما من أجل الإنسان الذي صنع هذا التاريخ، ومن أجل البيوت التي صمدت، والأمهات اللاتي انتظرن، والأبناء الذين دافعوا، والأحلام التي قاومت الخوف ولم تنطفئ، وستظل أجمل لحظات التكريم تلك التي تجعلنا نتذكر أن وراء كل مدينة روحًا، ووراء كل حكاية بشرًا، وأن الوفاء الحقيقي يبدأ حين نتذكرهم، ونمنحهم المكان الذي يستحقونه في قلوبنا وذاكرتنا.


