الموجز اليوم
الموجز اليوم

عبد المغني العيادي يكتب: من الصحراء إلى أزمة الديمقراطية الدولية: هل يحتاج العالم إلى قطب ثالث؟

-

في مقال نشرته قبل يومين بعنوان «التقارب الاستراتيجي الأوروبي–الميني»، عرضتُ أطروحة القطب الجيوسياسي الثالث: قوة أورو-مينية مرنة متعددة المراكز، لا تنافس واشنطن وبكين على مناطق النفوذ، بل توسّع هامش الخيارات أمام الدول. إنها شبكة تنسيق استراتيجي ومصالح متبادلة، وليست تحالفًا عسكريًا ولا كتلة أيديولوجية.

وبعد يومين، جاءت جلسة مجلس الأمن بشأن الصحراء. وليست قضية الصحراء موضوع هذا المقال، بل مناسبته: حالة واقعية، من بين حالات كثيرة، تتيح اختبار الأطروحة وتكشف حدود نظام دولي تحكمه امتيازات القوة.

لا يسعى المقال إلى تأييد الأطروحة بلا شروط، بل إلى وضعها في مواجهة الطروحات القائمة، وتحديد ما تستطيع تفسيره وما تعجز عن تجاوزه.

يمكن، لأغراض النقاش، حصر القراءات في ثلاث مدارس: الواقعية، والليبرالية، والبنائية. تنطلق الواقعية من أن القوة والمصلحة والأمن هي المحددات الأساسية لسلوك الدول، وتقدّم الولايات المتحدة والصين وروسيا نماذج واضحة لهذا المنظور. أما الليبرالية، فتعطي الأولوية للمؤسسات والقانون والتعاون، والاتحاد الأوروبي أقرب النماذج إليها، وإن لم تخلُ ممارساته من الحسابات الواقعية. وتضيف البنائية دور الأفكار والهويات والمعايير في تشكيل المصالح نفسها.

وهذه ليست تصنيفات حصرية للدول. غير أن طرح القطب الثالث يراهن على الجمع بينها: مصالح واقعية في القلب، وشرعية ليبرالية في الإطار، وأفكار وقيم تعيد تعريف المصلحة. وهذا الجمع هو أول ما ينبغي اختباره، لأن التوفيق بين مقاربات متنافرة قد يتحول إلى توليفة تعجز عن اتخاذ القرار.

تقدّم الحالة المغربية مثالًا على المقاربة الأولى: الرهان على قوة عظمى واحدة. فقد اختار المغرب في السنوات الأخيرة إعطاء الأولوية للتحالف مع الولايات المتحدة في تدبير قضية الصحراء، وقَبِل في سياق ذلك كلفة سياسية ودبلوماسية، منها التطبيع مع إسرائيل، ولم يكن وحده بين الدول العربية التي سلكت هذا المسار.

ويمكن الدفاع عن هذا الخيار بمنطق الواقعية: فالدول تحمي أمنها ووحدتها الترابية بما تراه ضروريًا. وقد يكون حقق مكاسب استراتيجية حقيقية، حتى مع استمرار العجز عن فرض تسوية نهائية. ولا يحاكم هذا المقال الخيار بأثر رجعي، ولا يقيسه بنتيجة تصويت واحد.

لكن المقاربة المخالفة تلفت إلى حدّه البنيوي، وهو حدّ ينطبق على كل دولة تبني أمنها على راعٍ واحد: فالتحالف مع قوة عظمى لا يلغي استقلالية حساباتها، ولا يضمن تطابق مصالحها مع مصالح حليفها في جميع الملفات.

وتأتي جلسة مجلس الأمن بشأن الصحراء مثالًا على ذلك. ففي 30 أكتوبر 2026، أخفق المجلس في اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي بشأن الصحراء. استخدمت روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي، فيما لم يحصل المشروع الروسي على الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده. وكانت ولاية البعثة تنتهي في 31 أكتوبر ما لم يُتخذ قرار في اللحظة الأخيرة.

وتكشف هذه النتيجة، بصرف النظر عن المواقف المتعارضة من مضمون المشروعين، كيف يمكن لقضية إقليمية أن تتحول إلى ساحة لتجاذب مصالح القوى الكبرى، وكيف لا يضمن التحالف مع قوة عظمى توافق حساباتها مع حسابات حليفها.

ويمكن قراءة النتيجة من ثلاث زوايا.

من زاوية الموقف المغربي، دعت الرباط، عقب الجلسة، إلى سحب الملف من جدول أعمال المجلس. وهو موقف معلن لا يرتب بذاته أثرًا قانونيًا على اختصاص المجلس، إذ يمكن للولايات المتحدة أو لأي عضو آخر تقديم مشروع جديد. ويظل من الضروري التمييز بين سقوط المشروع الأمريكي وعدم تجديد البعثة، فهما نتيجتان مختلفتان.

ومن زاوية المجهول، يُحتمل أن يؤدي غياب البعثة، إذا لم تُنشأ آلية بديلة، إلى إضعاف أدوات المراقبة والاحتواء التي رافقت وقف إطلاق النار، وفتح مرحلة أكثر غموضًا في إدارة النزاع. ولا يعني ذلك انتهاء الإطار الأممي أو زوال اختصاص مجلس الأمن، لكنه يضع آلية إدارة النزاع أمام فراغ عملي وسياسي. وقد يفتح هذا الفراغ أمام حسابات ميدانية أكثر مغامرة، إذا اعتقد أحد الأطراف أن ميزان القوى يسمح له بفرض وقائع جديدة. ولا يُستبعد، في أسوأ السيناريوهات، أن تدفع هذه الحسابات المنطقة نحو تصعيد تمتد آثاره إلى ما وراء أطراف النزاع المباشرين. وهذا تقدير تحليلي، لا إعلان نوايا.

ومن زاوية النفوذ الدولي، لا يدور الصراع حول الصحراء وحدها، بل حول حدود النفوذ بين القوى الكبرى. وليس بالضرورة أن يكون الفيتو الروسي دفاعًا عن الصحراويين، ولا الدعم الأمريكي التزامًا مطلقًا بمصالح المغرب. وقد أشارت تقارير إلى أن علاقات روسيا الوثيقة بالجزائر تضيف بُعدًا آخر إلى هذا الانقسام.

والحصيلة التي يقدّمها هذا المثال لمشروع القطب الثالث محدودة وواضحة: إنه يُظهر كلفة الاعتماد على قوة واحدة، لكنه لا يثبت أن بديلًا ثالثًا كان سيغيّر نتيجة الجلسة. وما يمكن قوله هو أن وجود هذا البديل كان سيوسّع هامش الخيارات المتاحة.

وليست الصحراء وحدها. فالصورة نفسها تتكرر في ملفات أخرى، ومن معسكرات مختلفة. ففي أوكرانيا (2022)، استخدمت روسيا الفيتو ضد مشروع قرار يطالبها بوقف هجومها وسحب قواتها من أوكرانيا. فنُقل النقاش إلى الجمعية العامة عبر دورة استثنائية طارئة، حيث أدانت الجمعية الهجوم الروسي بتأييد 141 دولة، مقابل خمس دول معارضة و35 امتناعًا. وكان ذلك انتصارًا دبلوماسيًا وسياسيًا واسعًا، لكنه لم ينتج قرارًا ملزمًا بوقف الحرب.

وفي غزة (2025)، استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ضد مشروع قرار يطالب بوقف فوري ودائم لإطلاق النار، رغم تأييد الأعضاء الأربعة عشر الآخرين. وبررت واشنطن موقفها بأن المشروع لا يعالج بقاء حماس في السلطة، ولا يراعي، في نظرها، حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. وكانت روسيا والصين قد استخدمتا الفيتو في مارس 2024 ضد مشروع أمريكي بشأن غزة.

وفي السودان (2024)، استخدمت روسيا الفيتو ضد مشروع بريطاني–سيراليوني يطالب بوقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين، رغم تأييد الأعضاء الأربعة عشر الآخرين، ومنهم الصين. وبررت موسكو موقفها بأن المشروع ينتقص من دور الحكومة السودانية، التي تعتبرها الجهة صاحبة الاختصاص في حماية المدنيين وتأمين الحدود والتعامل مع الأمم المتحدة، واتهمت الدول الراعية بالتدخل في الشؤون السودانية.

والفوارق بين هذه الملفات كبيرة، ولا يساوي المقال بينها في الوقائع ولا في المسؤولية. لكن ما يجمعها هو البنية: أغلبية داخل المجلس لا تتحول إلى قرار، لأن عضوًا دائمًا يرى في تعطيله حماية لمصالحه. وهذا يؤكد أن المشكلة ليست في هوية الدولة التي تستخدم النقض، بل في الآلية نفسها.

فالمشكلة ليست أن الدول الكبرى تدافع عن مصالحها؛ فهذا من طبيعة العلاقات الدولية. المشكلة أن بنية المؤسسة الدولية تجعل مصالح دولة واحدة قادرة على تعطيل إرادة بقية الأعضاء، حتى في القضايا المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين.

وليست الصحراء، في هذا السياق، إلا إحدى بؤر التوتر التي تداخلت في استمرارها تداعيات الحرب الباردة وحسابات النفوذ الدولي، مثلما حدث في مناطق أخرى من إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا. ففي هذه المناطق، تتجاوز الصراعات حدودها المحلية، ويصبح استمرار التوتر جزءًا من توازنات النفوذ. وقد يكون غياب التسوية، في ظروف معينة، أقل كلفة لبعض الأطراف الدولية من تسوية لا تخدم مصالحها.

أما المقاربة الثانية، فهي الإصلاح التدريجي للمؤسسات. ويقوم هذا الموقف على أن الإصلاح ممكن من داخل المؤسسات القائمة. وأقوى ما يستند إليه هو ما تحقق فعلًا: فقد اعتمدت الجمعية العامة في 26 أبريل 2022، دون تصويت، القرار 76/262، الذي يلزم رئيسها بعقد اجتماع رسمي خلال عشرة أيام عمل من استخدام أحد الأعضاء الدائمين حق النقض، لمناقشة المسألة التي استُخدم بشأنها، ما لم تكن الجمعية منعقدة في دورة استثنائية طارئة بشأنها.

كما التزم «ميثاق المستقبل» (2024) بتكثيف الجهود للتوصل إلى اتفاق بشأن مستقبل النقض، بما في ذلك مناقشة تقييد نطاقه واستخدامه. وتتبنى فرنسا اعتبار النقض مسؤولية لا امتيازًا، وقد انضمت بريطانيا مؤخرًا إلى مبادرتها لضبط استخدامه طوعيًا في حالات الفظائع الجماعية. وأقر الأمين العام للأمم المتحدة بأن بنية المجلس عتيقة وسلطته تتآكل، وأنه سيفقد مصداقيته ما لم تُصلح تركيبته وأساليب عمله.

غير أن لهذا الموقف حدودًا. فالنقاش العلني يكشف استخدام النقض ويضعه أمام مساءلة سياسية، لكنه لا يلغي أثره. كما أن المبادرات القائمة تقوم على ضبط النفس الطوعي، لا على تعديل الميثاق. وتعديل الميثاق نفسه يتطلب موافقة ثلثي الجمعية العامة وتصديق ثلثي الدول، بينها الأعضاء الدائمون الخمسة جميعًا. أي إن أصحاب الامتياز هم من يملكون مفتاح التخلي عنه، وهذه أكبر عقبة تواجه أي دعوة إلى مراجعة جوهرية.

والمقاربة الثالثة هي مطالب الجنوب العالمي. فدول من هذا الجنوب تطالب بالإصلاح بإلحاح متزايد. وقد دعا رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك، دومينيك دوفيلبان، في 2005 إلى إصلاح عميق للمؤسسات وتوسيع المجلس. وفي الدورة الثمانين للجمعية العامة، في سبتمبر 2025، وصف الرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوزا مجلس الأمن بأنه غير فعّال بصيغته وتركيبته الحاليتين، ودعا إلى جعله أكثر تمثيلًا وديمقراطية وفعالية. كما دعا الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا إلى إصلاح المجلس، وانتقد تعطيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية بفيتو واحد. وطالبت نيجيريا بمقعدين دائمين لإفريقيا.

لكن بعض مطالب الجنوب العالمي، ومنها الموقف الإفريقي المشترك، لا تتطابق بالضرورة مع مشروع القطب الثالث. فتوافق إيزولويني الذي يتبناه الاتحاد الإفريقي يعارض النقض من حيث المبدأ، لكنه يطالب بمقعدين دائمين بصلاحيات النقض، على أساس أنه ما دام قائمًا فيجب أن يُتاح للجميع. فالخلاف هنا ليس حول عدد المستفيدين من الامتياز فحسب، بل حول الانتقال من المساواة في الامتياز إلى تقييده. وهذا اختلاف حقيقي ينبغي أن يقرّ به أي مشروع يستند إلى مطالب الجنوب.

فما الذي يصمد من مشروع القطب الثالث بعد هذا الاختبار؟

تتحدد معالمه بدقة أكبر. فأصله مراجعة الميثاق: لا تكفي إضافة مقاعد، بل يجب إعادة النظر في بنية الامتياز نفسها، لأن الديمقراطية الدولية لا تعني أن تصوّت الدول فحسب، بل أن يكون لصوتها أثر. والمشروع لا يشترط إلغاء النقض، بل تقييده بقواعد تعبّر عن إرادة جماعية واسعة، لا عن إرادة أصحابه وحدهم. غير أن تحويل هذا المبدأ إلى قاعدة ملزمة يظل رهين تعديل الميثاق.

وشرطه أن تبدأ أوروبا بنفسها: فمطالبة الآخرين بتقييد امتياز لا تكتسب مصداقية ما لم تبدأ بها باريس ولندن، العضوان الدائمان المنتميان إلى المعسكر نفسه. وقد اتخذت الدولتان خطوة طوعية نحو ضبط استخدام النقض في حالات الفظائع الجماعية، دون أن تتخليا عنه.

وله قيدان أساسيان. أولهما عقبة التصديق: لا يتحقق التعديل دون موافقة الدول الدائمة الخمس كلها، وهو ما يجعله مشروعًا بعيد المدى، لا حلًا عاجلًا لأي نزاع بعينه. وثانيهما تماسك القطب نفسه: فالمغرب والجزائر على طرفي ملف الصحراء، والتقارب مع جنوب المتوسط يقتضي تدبير هذا التناقض، لا تجاهله. وهو في الوقت نفسه اختبار عملي للمشروع، لا مجرد عقبة عابرة.

أما أساسه فتوافقي توفيقي: يجمع الليبرالية الأوروبية والبنائية والواقعية، وقلبه المصالح. وتحدّه المخاطرة المنهجية التي سبقت الإشارة إليها: أن يعجز التوفيق عن إنتاج قرار.

ولا يُقاس أثر هذا القطب بامتلاك حق النقض أو بمنافسة القوى الكبرى عسكريًا، بل بقدرته على بناء توافقات عابرة للأقاليم، وتنسيق المصالح، وتحويل الوزن الاقتصادي والسياسي المشترك إلى قدرة تفاوضية مؤثرة في قواعد النظام الدولي.

هذه القيود لا تُسقط المشروع، لكنها تحدّد مجال صلاحيته: إنه رؤية لبناء خيارات استراتيجية أوسع، لا وصفة جاهزة لتسوية نزاع بعينه.

وبين عالم تُدار فيه الصراعات بمنطق الامتياز، وعالم تتوزع فيه القدرة على صناعة القرار، يظل السؤال مفتوحًا: أي نظام دولي نريد؟ وإلى أن يُحسم ذلك، ستبقى بؤر التوتر مفتوحة على احتمالات التصعيد، في ظل غياب آليات دولية قادرة على إنتاج تسويات عادلة ومتوازنة.