الموجز اليوم
الموجز اليوم

حمدية عبد الغني تكتب: خلف الأبواب المغلقة..حكاية وجع وغياب للإنسانية

-

ما أقسى أن يرحل الإنسان عن الدنيا في صمت، وأن تنطفئ روحه خلف باب مغلق، دون أن يشعر أحد بغيابه، أو يفتقد صوته، أو يتساءل أين ذهبت خطواته التي اعتاد سماعها كل يوم؟ .

ثلاث سنوات كاملة، ظلت سيدة مسنة، ترقد متوفاة داخل شقتها، حتى كشف تنفيذ حكم بإخلاء المنزل عن حكاية موجعة، لم تكن قسوتها في الموت وحده، بل في ذلك الغياب الطويل الذي لم يطرق خلاله أحد بابها ليسأل عنها.

لا نعرف تفاصيل أيامها الأخيرة، ولا ما إذا كانت تشعر بالوحدة، لكننا نعرف أن وراء هذه الواقعة سؤالا يستحق أن نتوقف أمامه طويلا: ماذا حدث لدفء الجيرة الذي كان يجعل غياب الإنسان أمرا لا يمر دون أن يثير القلق؟
أتذكر زمنا كانت فيه البيوت أقرب إلى القلوب منها إلى الجدران، كان الجار أهلا، وكانت الجارة أما وأختا، وكانت الأبواب تفتح للمحبة قبل أن تفتح للزيارة،طبق الطعام لا يكتمل إلا حين يصل إلى البيت المجاور، والمرض لا يمر دون سؤال، والغياب لا يمر دون إفتقاد.

كان هناك من يعرف موعد عودة جاره، ويطمئن حين يسمع صوته، أما الآن، فقد أصبحنا نعيش في عمارات تجمعنا أسقف واحدة، بينما تفصل بيننا مسافات لا ترى، نعرف أخبار العالم، وننسى أن هناك من يسكن على بعد خطوات، ربما ينتظر سؤالا بسيطا يعيد إليه شعوره بأنه ليس وحده.
لقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجار فقال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" فالجيرة ليست مجرد علاقة بين شقتين، وإنما ميثاق من الرحمة والود، ومسؤولية أخلاقية تجاه إنسان قد لا تربطنا به صلة دم، لكن تجمعنا به صلة الإنسانية.

إن هذه الواقعة تخبرنا كم أصبحنا بحاجة إلى إستعادة إنسانيتنا، وإلى أن نعيد للجار مكانته في قلوبنا، فليس كل من أغلق بابه استغنى عن العالم، وليس كل من صمت لم يكن بحاجة إلى سؤال، ربما خلف بعض الأبواب حكايات من الوحدة، لا ينقصها سوى طرقة حانية وصوت يقول: نحن هنا.. لم ننساك.
ليس المطلوب أن نتدخل في خصوصيات الآخرين، وإنما أن نترك في قلوبنا نافذة مفتوحة للسؤال والإهتمام.. أن نتذكر كبار السن، وأن نطمئن على من يعيشون وحدهم، وأن ندرك أن طرق باب الجار قد تكون أحيانا أصدق تعبير عن المحبة.
فما أقسى أن يغيب إنسان، ولا يفتقده أحد.. وما أجمل أن نكون لبعضنا رحمة، قبل أن نكون مجرد جيران.