عبد الغني العيادي يكتب: من شوارع فرنسا إلى بؤر الجنوب: العالم أمام اختبار اجتماعي جديد

الدولة التي تنفق على إدارة نتائج هشاشتها أكثر مما تستثمر في شروط قوتها، تؤجل الأزمة ولا تعالجها.
لم تعد الاحتجاجات في العواصم الأوروبية، ولا موجات الغضب في بلدان الجنوب، أحداثًا منفصلة يفسّر كلٌّ منها بظرف محلي. إنها مؤشرات متراكمة على أزمة أعمق في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعلى اختلال متزايد في ترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية. فمن فرنسا إلى عدد من بلدان الجنوب، تتسع الفجوة بين ما تنتظره المجتمعات من دولها وما تختار هذه الدول تمويله وحمايته.
كُتبت هذه السطور عشية الإضراب الوطني الذي دعت إليه النقابات الفرنسية في الخامس من نوفمبر 2026، بعد تعبئة السابع عشر من أكتوبر، والأحداث ما زالت تتطور. لكن ما يستحق القراءة ليس الإضراب في ذاته، بل ما يكشفه: شعورًا متناميًا بأن كلفة التحولات الاقتصادية والأمنية تُحمَّل للمجتمع، بينما لا تتوزع المكاسب والأعباء بالقدر نفسه. ومن هنا، لا يتعلق السؤال بقدرة الحكومات على احتواء الاحتجاجات فحسب، بل بقدرتها على معالجة الأسباب التي تجعلها تتكرر.
ويعود جانب من هذا الاختلال إلى التحول الذي عرفه مفهوم الأمن خلال العقدين الماضيين. فمنذ هجمات 11 سبتمبر 2001، توسعت صلاحيات المراقبة وتعززت المقاربة الأمنية، وأصبحت مكافحة الإرهاب مدخلًا لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع. وفي فرنسا، عمّقت هجمات 2015 هذا التحول، قبل أن تُدمج بعض التدابير الاستثنائية في القانون العادي سنة 2017. ولم تكن هذه التحولات بلا مبررات، فحماية المواطنين مسؤولية سيادية. لكن الإشكال يبدأ حين يصبح الضبط والاحتواء بديلًا عن معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج الهشاشة وفقدان الثقة. فالدولة لا تستعيد شرعيتها بمجرد إعادة النظام إلى الشوارع، والاستقرار الذي لا يستند إلى حد أدنى من العدالة والفرص يظل هشًّا، ويحتاج باستمرار إلى مزيد من القوة لحمايته. وهذه قراءة سياقية، لا تقيم علاقة سببية مباشرة بين تلك الهجمات والاحتجاجات الراهنة.
وتكشف طريقة توزيع الموارد العامة جانبًا آخر من الأزمة، فالمشكلة لا تكمن بالضرورة في نقص الموارد، بل في الاختيارات التي تحدد وجهة إنفاقها والجهات المستفيدة منها. ففي فرنسا، قدّر تقرير لمجلس الشيوخ حجم المساعدات العامة للشركات بنحو 211 مليار يورو سنة 2023، وفق تعريف واسع يشمل أشكالًا متعددة من الدعم والتدخلات العمومية. وينبغي التعامل مع الرقم باعتباره تقديرًا تجميعيًّا، لا إنفاقًا نقديًّا مباشرًا في حسابات الشركات.
وفي المقابل، بلغت توزيعات الأرباح التي أعلنتها شركات مؤشر CAC 40 نحو 72.8 مليار يورو خلال 2024، إضافة إلى قرابة 25.5 مليار يورو في عمليات إعادة شراء الأسهم. ولا تعني هذه الأرقام أن الدعم العمومي يتحول مباشرة إلى أرباح، ولا أن الاستثمار الخاص غير ضروري، لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا حول شروط الدعم والعائد الذي تحصل عليه الجماعة الوطنية مقابله. فإذا كانت الدولة تتحمل جزءًا من مخاطر الاستثمار، فمن حق المجتمع أن يطالب بمقابل واضح: وظائف مستقرة، وأجور لائقة، واستثمار منتج، وبحث علمي وابتكار.
وتزداد أهمية هذا السؤال أمام المؤشرات الاجتماعية. فقد بلغت نسبة الفقر النقدي في فرنسا 15.4% سنة 2024، أي نحو 9.8 ملايين شخص، وفق المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE)، وهي نسبة مستقرة مقارنة بسنة 2023، لكنها الأعلى منذ بدء السلسلة سنة 1996. ولا يكفي هذا الرقم وحده لتفسير الاحتجاجات، لكنه يكشف ضغطًا مستمرًّا على الفئات الأضعف. فالمشكلة ليست في وجود اقتصاد قوي أو شركات قادرة على تحقيق الأرباح، بل في قدرة السياسات العامة على تحويل القوة الاقتصادية إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين.
ومن هنا تبرز المفارقة بين متطلبات الأمن الخارجي وضرورات الاستقرار الداخلي. فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.887 تريليون دولار سنة 2025، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. ولا يمكن عدّ هذا الإنفاق هدرًا تلقائيًّا، فالتهديدات الدولية حقيقية، والتحولات الجيوسياسية تفرض على الدول مراجعة قدراتها الدفاعية. غير أن السؤال الاستراتيجي هو: هل تستطيع الدول تعزيز أمنها الخارجي من دون إضعاف شروط أمنها الداخلي؟ فالموارد الموجهة إلى التسلح لا تكون متاحة بالقدر نفسه للمدارس والمستشفيات والنقل العمومي والسكن والبحث العلمي. والمقارنة هنا ليست حسابية بين بند عسكري وآخر اجتماعي، بل تتعلق بكلفة الاختيارات طويلة الأمد.
وتقدم التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية دليلًا على أن بناء القوة لا ينفصل عن الاستثمار الاجتماعي. فمرحلة «الثلاثين المجيدة» (1945-1975) لم تقم على النمو الصناعي وحده، بل أيضًا على الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية وتوسيع الحماية الاجتماعية. كان بناء الإنسان جزءًا من استراتيجية القوة لا عبئًا عليها. أما اليوم، فأوروبا مطالبة بزيادة إنفاقها الدفاعي وتعزيز استقلالها الاستراتيجي، في وقت تعاني فيه قطاعات واسعة من مجتمعاتها ضغط تكاليف المعيشة وتراجع الثقة في المؤسسات وتآكل بعض مكتسبات دولة الرفاه.
وتأخذ الأزمة في بلدان الجنوب أشكالًا مختلفة، لكنها ترتبط بدورها باختلال العلاقة بين الموارد المتاحة والحاجات الاجتماعية. فهناك مجتمعات لم تتمكن أصلًا من بناء دولة رفاه مستقرة، وتواجه في الوقت نفسه ضغوط الديون والتبعية المالية وضعف الإنتاجية والبطالة وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، فضلًا عن آثار التغير المناخي وهشاشة المؤسسات. فمن السودان إلى كينيا ومدغشقر، ومن سريلانكا وبنغلاديش إلى نيبال وتشيلي ولبنان، تتعدد الأسباب وتختلف السياقات، لكن القاسم المشترك هو اتساع المسافة بين انتظارات المواطنين وقدرة المؤسسات على الاستجابة. وليس المقصود أن هذه البلدان تسير في مسار واحد، فلكل منها بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
غير أن الأزمات لم تعد محصورة داخل الحدود الوطنية، إذ ينتقل اضطراب الطاقة والغذاء والتمويل وسلاسل الإمداد بسرعة بين الاقتصادات، فتصبح الهشاشة المحلية جزءًا من منظومة دولية مترابطة. ففي أجزاء من أوروبا، يجري الدفاع عن مكتسبات اجتماعية مهددة، بينما لا تزال مجتمعات عديدة في الجنوب تكافح لبناء الحد الأدنى منها. وفي الحالتين، تتغذى الأزمة من اختلالات متشابهة في توزيع الأعباء والفرص، ومن عجز المؤسسات عن إقناع المواطنين بأن السياسات المتبعة تخدم المصلحة العامة.
وحين تتراكم الصدمات المعيشية وتعجز المؤسسات عن تقديم إجابات مقنعة، لا تبقى المطالب الاقتصادية محصورة في حدودها الأولى، بل تتحول تدريجيًّا إلى مساءلة سياسية أوسع. وحين تضعف قنوات الوساطة بين المجتمع والسلطة، يصبح الشارع من المساحات القليلة المتاحة للتعبير عن الغضب. لكن اتساع الاحتجاج لا يعني بالضرورة انتقاله إلى العنف، فذلك يتوقف على طبيعة الاستجابة السياسية، ومدى انفتاح المؤسسات على الحوار، وحجم الانسداد الذي يواجهه المحتجون. وقد يتحول الاحتجاج السلمي إلى مواجهة حين تُغلق منافذ التعبير والتفاوض، أو حين يحل القمع محل المعالجة السياسية.
وبناءً على ذلك، لا يبدو المستقبل مرشحًا بالضرورة لتكرار نموذج «الربيع العربي»، ولا لانتفاضة عالمية موحدة. الاحتمال الأكثر واقعية هو دخول العالم مرحلة طويلة من الاضطراب الاجتماعي المتقطع ومتعدد البؤر، تتفاعل فيها الأزمات المحلية عبر الحدود، وتتسع دوائر الاحتجاج كلما فشلت السياسات العامة في معالجة أسبابها. وقد تكون هذه المرحلة أوسع جغرافيًّا من موجات الاحتجاج السابقة، لا لأنها ستنتج حركة عالمية واحدة، بل لأن أسبابها تتصل باختلالات مشتركة في الاقتصاد السياسي العالمي، ولأن وسائل الاتصال وتداخل الأسواق تجعل انتقال أثر الأزمات أسرع من أي وقت مضى.
ويفرض هذا المشهد إعادة النظر في مفهوم الأمن نفسه، بعيدًا عن حصره في حماية الدولة وحدودها وأجهزتها. فمنذ تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنة 1994، اتسع المفهوم ليشمل الأمن الاقتصادي والغذائي والصحي والبيئي والشخصي والسياسي. ويتقاطع ذلك مع أطروحات أمارتيا سن حول التنمية باعتبارها توسيعًا للحريات والقدرات الفعلية للأفراد، لا مجرد زيادة في الناتج أو تراكم للثروة. فالدولة القوية ليست التي تمتلك أجهزة أمنية وعسكرية متطورة فحسب، بل التي تحوّل إمكاناتها إلى تعليم جيد وصحة متاحة وفرص اقتصادية ومؤسسات موثوقة ومجتمع قادر على الصمود أمام الأزمات.
إن الاختبار الذي يواجه الدول اليوم لا يتعلق بزيادة الإنفاق الأمني أو العسكري وحده، بل بإعادة التوازن بين حماية الحدود وبناء المجتمعات، وبين متطلبات الدفاع وضرورات التنمية، وبين مصالح الأسواق وحقوق المواطنين. فالأمن ليس مجرد غياب التهديد، والاستقرار ليس مجرد غياب الاحتجاج؛ كلاهما يحتاج إلى مؤسسات عادلة، واقتصاد منتج، ومجتمع يشعر بأن له نصيبًا في الثروة والقرار والمستقبل. العالم لا يواجه أزمة موارد فحسب، بل أزمة في ترتيب الأولويات وفي تعريف القوة ذاتها. والدولة التي لا تجعل الإنسان محور سياساتها ستجد نفسها مضطرة إلى إنفاق المزيد على احتواء أزمات كان بإمكانها الحد منها بالاستثمار في أسباب الاستقرار.

