محمد فرعون يكتب: مازن الغرباوي.. «قبطان المسرح الشبابي» الذي واجه التحديات وصنع من شرم الشيخ منصة عالمية للإبداع المسرحي

لم تكن الدورة الحادية عشرة من مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي مجرد تظاهرة فنية عابرة، أو مجموعة من العروض المسرحية التي اجتمعت على أرض مدينة السلام، وإنما كانت تجربة ثقافية وفنية تحمل الكثير من الدلالات حول قدرة الإرادة والإصرار على صناعة حدث دولي يحافظ على مكانته، رغم ما يواجهه من تحديات وصعوبات، وفي مقدمتها التحديات المالية التي أصبحت أحد أبرز المعوقات أمام استمرار وتطور العديد من الفعاليات الثقافية والفنية.
وعلى مدار خمسة أيام، من الأول وحتى الخامس من نوفمبر الجاري، قدم المهرجان برئاسة المخرج والفنان مازن الغرباوي، صورة مشرفة لحركة المسرح الشبابي، من خلال برنامج متنوع جمع بين العروض المسرحية والورش التدريبية واللقاءات الفكرية والماستر كلاس، بمشاركة فنانين ومبدعين من مصر وعدد من الدول العربية والأجنبية.
والحقيقة أن الحديث عن نجاح هذه الدورة يقودنا بالضرورة إلى التوقف أمام تجربة مازن الغرباوي، الذي يستحق تحية خاصة على ما يبذله من جهد للحفاظ على استمرارية المهرجان وتطويره، والعمل على استضافة عروض مسرحية من دول مختلفة، رغم ما تفرضه الإمكانيات المالية من تحديات وضغوط.
فإقامة مهرجان دولي بهذا الحجم لا تتوقف عند تنظيم حفل افتتاح أو ختام، أو استضافة مجموعة من الفنانين، وإنما تحتاج إلى جهد كبير في التواصل مع الفرق المسرحية الأجنبية، وتوفير متطلبات مشاركتها، وإدارة شبكة واسعة من العلاقات الفنية والثقافية، إلى جانب توفير فرص حقيقية للشباب للاحتكاك بتجارب مسرحية متنوعة.
وهنا تظهر قيمة التجربة التي يقودها الغرباوي، فالرجل لا يدير مجرد مهرجان، وإنما يحاول الحفاظ على مشروع ثقافي أصبح له حضور على خريطة المهرجانات المسرحية، ويعمل على ألا تتحول الصعوبات إلى مبرر للتراجع أو تقليص مساحة الحضور الدولي للمسرح المصري.
سهير المرشدي.. اسم كبير يزين الدورة الحادية عشرة
اختيار اسم الفنانة القديرة سهير المرشدي لتحمل الدورة الحادية عشرة لم يكن مجرد تكريم رمزي، وإنما رسالة تقدير لقامة فنية كبيرة تركت بصمتها في المسرح والدراما المصرية، وقدمت مسيرة إبداعية تستحق الاحتفاء والتوثيق.
وشهد حفل الافتتاح تكريم عدد من الرموز الفنية والمسرحية، في مقدمتهم سهير المرشدي، والفنان أحمد بدير، والفنانة الرومانية ديانا لازار، والكاتب والناقد المسرحي الجزائري أحميدة عياشي، والمخرج محمد مرسي، في احتفاء بتجارب متنوعة أسهمت في إثراء الحركة المسرحية والفنية.
كما شهدت فعاليات المهرجان ندوة خاصة بالمكرمين، أدارها الكاتب والناقد الصحفي باسم صادق، وفتحت مساحة للحوار حول تجاربهم الفنية والإنسانية، وأهمية نقل الخبرات إلى الأجيال الجديدة.
رومانيا ضيف شرف.. جسر جديد للتواصل المسرحي
ومن أبرز ملامح الدورة الحادية عشرة اختيار دولة رومانيا ضيف شرف للمهرجان، في خطوة تعكس اهتمام الإدارة بتوسيع آفاق التعاون المسرحي الدولي، وفتح قنوات جديدة للتبادل الثقافي بين مصر ودول العالم.
وجاءت المشاركة الرومانية بصورة متنوعة، جمعت بين العروض المسرحية واللقاءات الفكرية والتكريمات، بالتزامن مع الاحتفاء بمرور 120 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين مصر ورومانيا.
وكان للفنانة المسرحية الرومانية ديانا لازار حضور مهم خلال الدورة، سواء من خلال تكريمها بصفتها أفضل شخصية دولية، أو مشاركتها في الفعاليات والندوات التي تناولت التجربة المسرحية الرومانية، حيث مثلت مشاركتها فرصة للتعرف على ملامح هذه التجربة وتبادل الرؤى والخبرات مع المسرحيين المصريين والعرب.
وقد عكست هذه المشاركة أن المهرجان لا يكتفي باستضافة العروض الأجنبية، وإنما يسعى إلى تقديم ثقافة الدول المشاركة وتجاربها الفنية بصورة أعمق، بما يحقق الهدف الحقيقي من إقامة المهرجانات الدولية.
أشرف عبد الباقي.. ماستر كلاس من قلب التجربة
ومن المحطات اللافتة في هذه الدورة الماستر كلاس الذي قدمه النجم أشرف عبد الباقي بعنوان «آليات الكوميديا في المسرح»، والذي جاء بمثابة لقاء مفتوح لنقل الخبرات الفنية إلى الشباب والمشاركين في المهرجان.
وخلال اللقاء، تحدث عبد الباقي عن أسرار صناعة الضحك على خشبة المسرح، وأدوات الأداء الكوميدي، وأهمية الارتجال والتفاعل مع الجمهور، كما استعرض جانبًا من تجربته الفنية، خاصة تجربة «مسرح مصر» وما قدمته من مساحة لظهور مواهب شابة.
وكانت أهمية هذا اللقاء لا تتوقف عند قيمة اسم أشرف عبد الباقي، وإنما في طبيعة الحوار الذي جمعه بالفنانين والمسرحيين المشاركين، وما أتاحه من فرصة للتعلم المباشر والاستفادة من تجربة فنية طويلة.
كما شهد البرنامج التدريبي مشاركة المخرجة ياسمين أحمد كامل من خلال ماستر كلاس «من السيناريو إلى الشاشة برؤية امرأة»، إلى جانب ماستر كلاس للمخرج مازن الغرباوي حول فن التمثيل في المايكرو دراما، فضلًا عن لقاء الفنان الروماني قسطنطين كرياك حول الدبلوماسية الثقافية ودور المسرح في بناء جسور التواصل بين الشعوب.
وهو ما يؤكد أن إدارة المهرجان كانت حريصة على أن يكون الجانب التعليمي والتدريبي جزءًا أساسيًا من البرنامج، وليس مجرد نشاط مصاحب للعروض.
11 عرضًا مسرحيًا.. وتنوع في التجارب والمدارس الفنية
وعلى مستوى المنافسات، شهدت الدورة تقديم 11 عرضًا مسرحيًا ضمن ثلاث مسابقات رئيسية، هي مسابقة العروض الكبرى، ومسابقة المونودراما، ومسابقة مسرح الشارع والفضاءات المسرحية غير التقليدية.
وشاركت عروض من مصر والسعودية وقطر والعراق والإمارات ورومانيا، وهو تنوع أتاح للجمهور والمسرحيين فرصة مشاهدة مدارس ورؤى مختلفة في الإخراج والتمثيل والكتابة والسينوغرافيا.
ومن أبرز العروض التي شهدتها المنافسات «المدينة الفاصلة» من قطر، و«متولي وشفيقة» من مصر، و«لا أحد» من السعودية، إلى جانب العرض الروماني «Puzzle»، وعدد من التجارب الأخرى التي تنوعت بين المونودراما ومسرح الشارع والعروض الكبرى.
الجوائز.. تتويج لتجارب مسرحية عربية ودولية
وجاء حفل الختام ليعلن حصاد المنافسة، حيث حقق العرض القطري «المدينة الفاصلة» المركز الأول في جائزة أفضل عرض متكامل ضمن مسابقة العروض الكبرى، بينما حصل العرض المصري «متولي وشفيقة» على المركز الثاني.
وفاز السعودي فهد الدوسري بجائزة أفضل مخرج عن عرض «لا أحد»، وحصل طالب الدوس على جائزة أفضل مؤلف عن «المدينة الفاصلة»، بينما فاز محمد فريد بجائزة أفضل ممثل، ويسرا المنسي بجائزة أفضل ممثلة عن «متولي وشفيقة»، وتقاسم العرضان المصري والقطري جائزة أفضل سينوغرافيا، فيما حصل العرض الروماني «Puzzle» على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
وفي مسابقة المونودراما، فاز العرض المصري «سما» بجائزة أفضل عرض متكامل، وحصد المخرج أيمن مصطفى جائزة أفضل مخرج، وفاز فارس وائل بجائزة أفضل ممثل عن «الكونترباص»، بينما حصلت مروة عبد المنعم على جائزة أفضل ممثلة عن «سما»، وفاز خالد الجابر بجائزة أفضل مؤلف عن العرض القطري «الصندوق المبيت»، وحصل العرض الإماراتي «لورانس» على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
أما مسابقة مسرح الشارع والفضاءات غير التقليدية، فحصد العرض المصري «قبل طلوع النهار» جائزة أفضل عرض متكامل، بينما حصل العرض العراقي «خلف الأبواب المرصودة» على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
شرم الشيخ.. أكثر من مجرد مدينة تستضيف مهرجانًا
ومن المهم أيضًا ألا نغفل الدور الذي تلعبه مدينة شرم الشيخ في احتضان هذا الحدث، فالمهرجان يقدم صورة عن مصر وقدرتها على استضافة الفعاليات الثقافية الدولية، ويمنح الفنانين والفرق الأجنبية فرصة للتعرف على مدينة السلام، بما تمتلكه من مقومات سياحية وحضارية.
وقد أقيمت الدورة برعاية وزارة الثقافة ووزارة السياحة والآثار والهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، وبدعم محافظة جنوب سيناء، إلى جانب عدد من الشركاء والرعاة، فيما تولت الفنانة إلهام شاهين الرئاسة الشرفية للمهرجان، وتولت الدكتورة إنجي البستاوي منصب مدير عام المهرجان.
وشهد حفل الختام حضور عدد من الفنانين والرموز المسرحية، من بينهم سهير المرشدي، وحنان مطاوع، ورياض الخولي، وأحمد بدير، ومحمد الصاوي، إلى جانب شخصيات مسرحية عربية ودولية، من بينهم البروفيسور قسطنطين كرياك، وأحميدة عياشي، وعمار بن عوبد غواص، وإيمانويلا كونتوجيورجو، والمخرج المغربي عادل مديح، وآنا سينكوفيتس.
مازن الغرباوي.. الرهان على الاستمرار
في النهاية، يمكن القول إن الدورة الحادية عشرة من مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي قدمت حصيلة فنية وثقافية مهمة، ونجحت في الجمع بين المنافسة المسرحية والتدريب والتواصل الدولي، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا مهمًا حول مستقبل المهرجانات المستقلة والمشروعات الثقافية التي تحتاج إلى دعم مستمر حتى تتمكن من الحفاظ على حضورها وتطوير أدواتها.
إن ما يقدمه مازن الغرباوي وفريق عمله يستحق التقدير، ليس لمجرد خروج دورة جديدة إلى النور، وإنما لأن الاستمرار في ظل التحديات يحتاج إلى إيمان حقيقي بالمشروع، وإصرار على ألا تتوقف عجلة الإبداع.
فالنجاح الحقيقي لأي مهرجان لا يقاس بعدد أيامه أو حفلاته أو الصور التي تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما بما يتركه من أثر في الفنانين الشباب، وما يقدمه من فرص للتعلم والاحتكاك، وما يضيفه إلى الحركة المسرحية محليًا ودوليًا.
ومن هنا، فإن مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي يستحق مزيدًا من الدعم والاهتمام، حتى لا تظل جهود القائمين عليه معتمدة فقط على شغفهم وإصرارهم، بل تتحول إلى مشروع ثقافي مستدام تتكاتف من أجله المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والمؤسسات الثقافية.
تحية لمازن الغرباوي، ولكل فريق العمل، ولكل فنان ومبدع شارك في هذه الدورة، وتحية خاصة لمدينة شرم الشيخ التي احتضنت خمسة أيام من الإبداع المسرحي، وأثبتت أن المسرح ما زال قادرًا على جمع الشعوب والثقافات تحت مظلة الفن والإنسانية.

