الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: الرئيس عبد الفتاح السيسي..قوة لا تستعرض لكنها لاتختبر

في لحظاتٍ فارقة من عمر المنطقة، لا تكون الكلمات مجرد حروفٍ تُقال، بل تصبح مواقف تُرسم، وحدودًا تُحدد، ورسائل تُكتب بحبر الإرادة لا بالمداد. وعندما تتحدث مصر، فإنها لا ترفع صوتها عبثًا، ولا تُلوّح بقوتها استعراضًا، بل تُعيد ترتيب المعادلة، وتُذكّر الجميع بأن هناك دولًا تصنع التاريخ، وأخرى تكتفي بمشاهدته.
إن مصر، التي عبرت قرونًا من التحديات، لم تكن يومًا دولة هامشية في محيطها، بل كانت دائمًا القلب الذي إن نبض استقرت الأطراف، وإن اشتد خفقانه ارتجف المحيط بأسره. لذلك، حين يُقال إن «مصر حين تتحرك ترتجف الحدود»، فهذه ليست مبالغة بلاغية، بل خلاصة تجربة طويلة من الثقل السياسي والعسكري والحضاري، الذي يجعل تحركها محسوبًا بدقة، وتأثيره ممتدًا بعمق.
وفي كلمة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة العربية الإسلامية غير العادية، لم يكن الخطاب مجرد إعلان موقف، بل كان ترسيخًا لثوابت لا تقبل التأويل. فالقضية الفلسطينية، التي حاولت أطراف عديدة عبر السنوات تفريغها من مضمونها، عادت في هذا الخطاب إلى جوهرها الحقيقي: قضية شعب، وأرض، وحق لا يسقط بالتقادم.
لقد جاء الرفض المصري واضحًا وصريحًا لأي محاولة لتصفية هذه القضية، خاصة عبر سيناريوهات التهجير القسري، التي لا تمثل فقط انتهاكًا للقانون الدولي، بل جريمة إنسانية تُعيد إلى الأذهان أسوأ فصول التاريخ. ومصر، التي دفعت أثمانًا باهظة دفاعًا عن الأرض والكرامة، لا يمكن أن تقبل بأن تتحول مأساة شعب إلى ورقة سياسية أو مشروع تصفية.
ولأن المواقف العظيمة لا تكتفي بالرفض، بل تطرح البدائل، فقد أكد الخطاب أن الطريق الوحيد نحو الاستقرار الحقيقي يمر عبر إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. هذا الطرح لا يأتي من فراغ، بل من فهم عميق بأن السلام لا يُبنى بالقوة وحدها، ولا يُفرض بالوقائع المفروضة، بل يُصنع بالعدالة والاعتراف بالحقوق.
إن أخطر ما يواجه منطقتنا اليوم ليس فقط الصراع، بل محاولة تحويله إلى حالة دائمة، تُدار لا تُحل، وتُستثمر لا تُنهى. وهنا تكمن أهمية الصوت المصري، الذي لا يقبل بهذه المعادلة، ويرفض أن يتحول النزيف إلى واقع معتاد. فمصر لا تبحث عن دور، لأنها ببساطة لا يمكن تجاوزها، ولا تسعى إلى نفوذ، لأنه جزء أصيل من وجودها.
ولعل ما يميز هذا الخطاب أيضًا هو تلك النبرة التي تجمع بين الحسم والعقلانية. فالقوة حاضرة، لكنها ليست متهورة، والرسالة واضحة، لكنها ليست صدامية. إنها لغة دولة تعرف قدرها، وتدرك مسؤوليتها، وتفهم أن الاستقرار لا يُفرض بالسلاح فقط، بل يُصان بالحكمة.
وفي زمنٍ تكثر فيه الأصوات وتقل فيه المواقف، تظل مصر حالة خاصة. فهي لا تتحدث كثيرًا، لكنها حين تفعل، تختار كلماتها بعناية، وتُحمّلها ما يكفي من الرسائل لتصل إلى كل من يعنيه الأمر. هي دولة تعرف أن الضجيج لا يصنع تأثيرًا، وأن الثبات على المبدأ هو أقوى أشكال القوة.
إن الدفاع عن القضية الفلسطينية ليس موقفًا سياسيًا عابرًا بالنسبة لمصر، بل هو امتداد لهويتها ودورها وتاريخها. فمنذ عقود، وهي تتحمل مسؤولياتها تجاه هذه القضية، ليس بالشعارات، بل بالفعل، وليس بالمزايدات، بل بالمواقف الواضحة التي لا تحتمل اللبس.
وهنا، يصبح السؤال الحقيقي: ماذا يعني أن تقول مصر «لا»؟
إنها لا تعني مجرد رفض، بل تعني وضع حد، ورسم خط، وإعلان أن هناك ما لا يمكن تجاوزه. تعني أن التوازن لا يزال قائمًا، وأن هناك من يقف ليمنع الانزلاق نحو الفوضى، أو نحو حلول تُفرض على حساب الشعوب.
وفي النهاية، لا يمكن قراءة هذا الخطاب بمعزل عن سياقه الأوسع. فهو ليس مجرد موقف من أزمة، بل رؤية لمنطقة تبحث عن طريق مختلف، طريق لا يقوم على الصراع الدائم، بل على السلام العادل. سلام لا يُولد من رحم الإكراه، بل من رحم الاعتراف بالحق.
حين تتكلم مصر، لا تُخاطب الحاضر فقط، بل تُخاطب المستقبل أيضًا. تقول إن المنطقة يمكن أن تكون أكثر استقرارًا، وأكثر عدلًا، إذا توفرت الإرادة. وتؤكد أن القوة الحقيقية ليست في فرض الأمر الواقع، بل في القدرة على تغييره نحو الأفضل.
وهكذا، يبقى صوت مصر، في زمن الارتباك، علامة ثبات…
ويبقى موقفها، في زمن التردد، نقطة ارتكاز…
وتبقى رسالتها، في زمن الضجيج، واضحة كحد السيف:
الحق لا يُساوَم عليه… والكرامة لا تُهجَّر… والتاريخ لا ينسى من وقف، ومن صمت.

موضوعات متعلقة