الموجز اليوم
الموجز اليوم
تجريف الوعي النغمى..كيف تتحول منابر الإبداع إلى مقابر للبحث العلمى؟ مروة زايد ..تبدأ الموسم الجديد من ” فى عز الظهر” على قناة الشمس النائب محمد مصطفى كشر: تطوير التعدين يعزز توجه الدولة لتعظيم قيمة الخامات المصرية القومية لجودة التعليم ..تمنح الإعتماد الأكاديمي لتربية عين شمس رئيس أكاديمية الفنون تطمئن على الحالة الصحية لطالبى المعهد العالي للموسيقى العربية وتشكر نقابة المهن الموسيقية رئيس أكاديمية الفنون تزور الصين وتطرح دراسة لشراكة استراتيجية مع ” الأكاديمية المركزية للدراما” الأربعاء..نادى سينما الأوبرا يعرض ” محفوظ وهى” على المسرح الصغير منع مقدم برامج بقناة” الحدث” من الظهور أسبوعين بسبب شكوى مصطفى كامل العرض الأول لفيلم ” سكوت السهل” فى 17 من مهرجان ” ميدل إيست ناو” السينمائي بفرنسا الأوبرا تعقد مؤتمرا صحفيا للإعلان عن تفاصيل الدورة 34 من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية المخرج مجدى أبو عميرة..رئيسا للجنة تحكيم مهرجان ”بردية” السينمائي دورة خالد صالح ثلاثة رجال صنعوا تاريخ أمة

تجريف الوعي النغمى..كيف تتحول منابر الإبداع إلى مقابر للبحث العلمى؟

حين يرتخي العقل الموسيقي، ويصاب الوعي الجمالي بالأفول، تفقد الأمة إحداثيات روحها ومقاييس بوصلتها، فالموسيقى ليست مجرد رجع لصوت أو زغردة لآلة، بل هي اللبنات العليا للوجدان، والتجسيد الأرقى للذاكرة القومية التي تحرس الهوية من التآكل، وفي هذا السياق الوجودي، يكتسب "مؤتمر الموسيقى العربية"، المصاحب لمهرجانه العريق قيمته المطلقة، فهو ليس مجرد محفل احتفالي عابر، بل هو الحصن المنيع الذي يُفترض أن يرمم شروخ الكيان النغمي، ويعيد صياغة العقل السمعي للأمة، على أسس من العلم والمنهج والإبتكار، غير أن المفارقة المفجعة تكمن حين تتحول هذه المحاريب العظمى إلى مسرح للعبث الإداري، وتُسلم مفاتيح المعرفة لمن لا يملكون أبجدياتها، لتنقلب الغايات وتتوارى الكفاءات، في مشهد يعيد إنتاج الإغتراب الثقافي بأبشع صور وأقسى تجلياتها.
​
​منذ انطلاقاته الأولى، وُلد مؤتمر الموسيقى العربية حاملاً على عواتقه رسالة مقدسة، رسالة تأسيس علمي وتاريخي ونقدي للمدونة الموسيقية العربية، وحماية التراث الخالد من عوادي التشويه والنسيان، ولقد شكل هذا المؤتمر عبر دوراته المتعاقبة المنبر الأوحد للباحثين والمفكرين والموسيقيين للإشتباك مع إشكاليات الهوية، والبحث في جذور السلم الموسيقي، والمقامات، والإيقاعات، وتطوير آليات التدوين والأداء، ​وعليه فالحفاظ على هذا المؤتمر وتطويره ليس ترفاً أكاديمياً، ولا فعالية بروتوكولية تُستهلك في بيانات الشجب والإشادة، بل هو ضرورة حتمية لبقاء الشخصية الفنية العربية في مواجهة عولمة جارفة تكتسح الخصوصيات، فالتقدم بالمؤتمر يعني بالضرورة إرتقاء البحث العلمي الموسيقي، وربط النظرية بالتطبيق، وتوسيع آفاق الإبداع ليكون قادراً على الحوار مع منجز العصر دون ذوبان أو إستلاب.
​
​لكن المتابع المشفق على واقع الثقافة الموسيقية اليوم يقف مذهولاً أمام مسار الدورة الرابعة والثلاثين المرتقبة، إذ يبدو جلياً أن هناك إرادة خفية، أو تخاذلاً مؤسسياً مطبقاً، يبتغي وأد نجاحات المؤتمر وإطفاء جذوته، ويتجلى هذا الإنحدار المفجع بأجلى عيانه حين نتأمل معايير اختيار "رئيس اللجنة العلمية" لهذه الدورة، ف​كيف يُعقل، في منبر علمي يُفترض أنه قمة سنام البحث الموسيقي الأكاديمي، أن يُسند كرسي القيادة العلمية لشخصية لا تقرأ ولا تدون النوتات الموسيقية؟!، أليست قراءة النوتة وتدوينها هي الحرف الأول في أبجدية الموسيقى؟، أليس هذا العجز الفاضح عن فك طلاسم الحرف الموسيقي إسقاطاً لشرعية التواجد في هذا المكان، ناهيك عن ترويس لجنته العلمية؟،
​وليزداد المشهد مأساوية وعبثية، نجد أن شروط المؤتمر المعلنة تفرض على الباحثين المتقدمين ضرورة تقديم النوتات الموسيقية الدقيقة لأبحاثهم وموضوعاتهم المطروحة، وهنا يرتطم العقل بصخرة التناقض الصارخ، بأي منطق يُطلب من الباحث ما يعجز عنه رئيس لجنته؟، وكيف يمكن لمن لا يملك القدرة على قراءة الرمز الموسيقي أو تقويمه أن يحكم على قيمته، أو يفرز الغث من السمين بين الأبحاث المقدمة؟، إن هذا الإشتراط المزدوج يفضح عوار الإختيار ويكشف عن مفارقة تقترب من حد المهزلة النقدية.
​
​ولا تتوقف الكارثة عند حدود الأمية النغمية، بل تمتد لتضرب في عمق السيرة الأكاديمية والإنتاجية لرئيس اللجنة، فالرجل وقد جاوز العقد السادس من عمره، يكاد يكون سجله البحثي خالياً تماماً، اللهم إلا نزر يسير لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، بينما تكاد مشاركته في المؤتمرات العلمية المحكمة تكون منعدمة، فأي معايير خفية أو اعتبارات شللية تلك التي رفعت شخصاً بلا رصيد بحثي معتبر، وبلا مشاركات علمية حقيقية، ليتربع على عرش التوجيه العلمي للمؤتمر؟، ​والأدهى والأمر، أنه إلى جانب الجدب البحثي، لا يوجد للرجل أي إنتاج إبداعي موسيقي يذكر، فالإبداع الموسيقي والتأليف والتلحين ظلت دوماً معياراً راسخاً لا غنى عنه لمن يعتلي صدارة لجان التحكيم والبحث، إذ إن العرف الأكاديمي والعلمي راسخ في اشتراط الإسهامات البارزة والمتواصلة، بشقيها النظري (البحثي) والعملي (الإبداعي)، إلى جانب البديهيات التقنية كإتقان التدوين وقراءة النوتات الموسيقية، فكيف سقطت هذه البديهيات من حسابات المسؤولين؟، وما هي الموازين المختلة التي تم الإحتكام إليها؟.
​
​إن هذه الاختيارات الفجة لم تمر مرور الكرام، بل خلفت حالة من الإحتقان والإستياء العارم في أوساط المشتغلين بالبحث الموسيقي الجاد، مما دفع بالكثير من الباحثين الحقيقيين إلى مقاطعة المؤتمر، والإمتناع عن تقديم عصارة أفكارهم لمحفل تحكمه العشوائية وتديره الكفاءات الوهمية، و​هنا ينبري السؤال المشروع ذو البعد الإتهامي والوجودي معا، من المسؤول عن هذا العبث بمقدرات الثقافة الموسيقية المصرية والعربية؟، ومن ذا الذي يسعى لتدجين المؤتمر وتفريغه من مضمونه المعرفي الجاد؟، إذ ​إن تداعيات هذا الخلل البنيوي تنذر بخيم النتائج، فالمؤتمر الذي يُدار بهذا الفكر البيروقراطي المجدب مآله حتماً إلى التقهقر والزوال، وتحولِ منصاته إلى مجرد أروقة فارغة تعج بالشعارات وتخلو من جوهر العلم، وحين يغيب الحارس الحقيقي للثقافة، وتُسلم القيادة لمن لا يحسنون سوى ترديد الصدى، فإن الهوية الموسيقية تتعرض لعملية تجريف ممنهج تهدد بانهيار الصرح بأكمله على رءوس شاغليه.
​
​إن التاريخ لا يرحم، والوعي الجمعي للأمة الحية يمتلك مناعة ذاتية ترفض دائماً الأجسام الغريبة، التي تحاول التسلق على أكتاف الإنجاز الحقيقي، وإنقاذ مؤتمر الموسيقى العربية في دورته الرابعة والثلاثين وما بعدها لا يحتاج إلى ترقيع إداري أو بيانات إنشائية، بل يتطلب ثورة تصحيحية جذرية تعيد الاعتبار للمعايير الأكاديمية الصارمة، وتضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فالموسيقى لغة الروح والكون، ولا يمكن أن يُقاد عقلها الموسيقي بفكر عقيم يجهل الحرف ويعادي الإبداع، فإما أن يُسترد شرف البحث العلمي الموسيقي، وإما فالسلام على هيبة منبر كان يوماً منارة للشرق والغرب.

موضوعات متعلقة