الموجز اليوم
الموجز اليوم
السفير الليبى بالقاهرة يستقبل وزير البيئة بحكومة الوحدة الوطنية الليبية إطلاق مبادرة ” الخير لكل مصرى ومصرية ” لتوفير السلع بأسعار مخفضة فى بورسعيد فقه ” اللقطة والشو” ..كيف يدار المعهد العالي للفنون الشعبية بعقلية الهواة؟ ” مدينة الفنون والثقافة ” بالعاصمة الجديدة تبرز نجاح ورشة البيانو المتقدمة وتكرم د. مارسيل متى والمواهب الشابة رحمة محسن..تتصدر تريند جوجل وقوائم البحث والاستماع ب ” أنا الخسارة” اللواء طارق نصير:” منتدى مصر 2026” الطريق لاستثمار الشباب فى قاطرة التنمية المستدامة للبلاد جنائزية البحث العلمي..حين تتحول معاهد التراث إلى مزارع للأستبداد ” الوعى بقضايا المجتمع طوق النجاة” فى ندوة بدار” النسر ” الأدبية ونقابة إتحاد كتاب القليوبية حسام أبو المجد..يطرح فيلم ” كاميرة فيديو” عن مخاطر التشهير الإلكتروني والتسرع فى الحكم على الآخرين زفاف مهاب عصام أبو الدهب وحبيبة أحمد الطيب..بدار الدفاع الجوى تكريم المخرج خالد يوسف ..فى مهرجان ”بردية ” السينمائي دورة خالد صالح سمر طارق..تطرح ” ليالي ” من كلماتها وألحانها

فقه ” اللقطة والشو” ..كيف يدار المعهد العالي للفنون الشعبية بعقلية الهواة؟

لم يكن التراث الشعبي في يوم من الأيام مجرد رواسب متحجرة في ذاكرة الزمن، ولا هو طيف عابر لتقاليد اندثرت، بل هو الهوية الميتافيزيقية النابضة لأمة تضرب جذورها في أعماق التاريخ، بوصفه البنية التحتية للوجدان الجمعي والروح الخفية التي تستنطق كينونة الشعوب، وحين أُنشئ المعهد العالي للفنون الشعبية في مصر، لم يكن ذلك ترفاً أكاديمياً، بل كان ضرورة وجودية تستهدف إنقاذ الأرشيف الرمزي للوطن من التلاشي، عبر إعداد "باحث إبستمولوجي" وجامع مدرب يفكك شفرات الحكاية، واللحم الحي للأسطورة، والأداة الموسيقية العتيقة، ليضعها في متناول العلم والتوثيق، غير أن المؤسسات متى غاب عنها الوعي الفلسفي وانحرفت بوصلتها عن الغاية التأسيسية، تتحول إلى مسوخ بيروقراطية تأكل أبناءها وتفرغ الغايات من مضامينها، وهو تماماً ما آلت إليه الحال في هذا المعهد العريق، حيث انفرط عقد الغاية والوسيلة، وانزلق الجسد الأكاديمي إلى درك العبث الممنهج والإنحراف المؤسسي الخطير.
​
​حين نتأمل قواعد القبول والاختبارات في أقسام المعهد، يصدمنا عوار منهجي يفضح انفصال الإدارة عن فلسفة الوجود الأساسية للمعهد، ف​في شعبة المسرح الشعبي، يُختبر الطلاب في التمثيل والمشاهد الدرامية (فصحى وعامية)، وكأننا بصدد إعداد نجوم شباك أو خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، متجاهلين أن خريج هذا القسم لا يحصل على عضوية نقابة المهن التمثيلية من الأساس، وكذلك الحال ​في شعبة الموسيقى الشعبية التي تعاني قحطاً في المتقدمين، وصل إلى قبول ثلاثة طلاب فقط هذا العام، يُخضعون لاختبارات غناء وتربية سمع وإيقاعات، وهي اختبارات تخص معاهد الكونسرفتوار والموسيقى العربية وكليات الموسيقى لإعداد عازفين ومطربين، لا باحثين في الأنثروبولوجيا الموسيقية الشعبية، ​ولا يختلف الحال في شعبة الرقص والألعاب الشعبية، حيث تُدار الاختبارات وكأننا نؤسس لفرقة باليه استعراضية، ​أما في قسم فن التشكيل الشعبي والثقافة المادية، فنجد العبث ذاته حين يُختبر الطلاب في الرسم بالرصاص، والألوان، والطبيعة الصامتة، وكأن المعهد بصدد تخريج فنانين تشكيليين ورسامين محترفين، متناسين أن مهمة القسم الأساسية هي إعداد باحثين وجامعين للتراث في مجال فن التشكيل الشعبي والثقافة المادية، لا صناعة لوحات فنية تزيينية.

​هذا التخبط يطرح سؤالاً إبستمولوجياً صارخاً: بأي منطق تُدار عملية صناعة "الباحث الجامع للتراث"، عبر آليات لا تنتمي إليه بصلة؟، إنها مفارقة تبدل الهوية وتزرع الوهم في نفوس الطلاب بأنهم فنانون ورسامون وممثلون، بينما هم في الواقع ضحايا لعملية تعليمية عشوائية لا تقدم لهم سوى السراب، فقد أبدل المعهد جوهر رسالته الأكاديمية والعملية والمتمثلة في الرحلات الميدانية لجمع، وتوثيق، وأرشفة التراث الحقيقي في ربوع مصر بـ"بهيجات استعراضية" واحتفاليات جوفاء تحت مسمى على سبيل المثال "مهرجان فن الأداء"، وهو مسمى بلا هوية فكرية، فعروض المسرح بطبيعتها هي عروض فن أداء، وماذا إضافه هذا العنوان سوى مزيد من الضبابية، والأدهى وبسبب هذا المهرجان، تتحول قاعات المعهد إلى ساحات بروفات مسرحية، ينشغل فيها الطلاب بأوهام النجومية الفنية، متناسين أن نقابة المهن التمثيلية تغلق أبوابها في وجوههم، وأن مشاركات المعهد في مثل هذه الأنشطة ليست سوى أدوات للشو الإعلامي، وأخذ اللقطة الشخصية للقيادات، وحين ينعقد المهرجان، تجد عدد فرقه أربع فرق فقط، ونصف المشاركين فيها من طلبة معهد فنون مسرحية، بل ويغيب عن المهرجان أساتذة قسم فنون الأداء أنفسهم، لنكون في النهاية أمام مسرح عبثي يُدار لإشباع نرجسية الإدارة على حساب الصالح العام ومقدرات الدولة.

​أما على صعيد الإنتاج المعرفي والبحثي، فالكارثة تفوق الوصف، خريجو مرحلة البكالوريوس والدراسات العليا يقدمون مشاريع ورسائل تحوي "نوتات موسيقية" وهم لا يقرأون النوتة ولا يكتبونها من الأساس، وسط تساؤلات مشروعة عن كيفية تمرير هذه المهزلة العلمية للحصول على الدرجات، فعلي ​مدار عقود لم يحصل على الدكتوراه سوى باحث يتيم، واثنان فقط على الماجستير في تخصص الموسيقى الشعبية بنوتات مجهولة المصدر، ​والأدهى من ذلك هو حال الأستاذ المهيمن المتفرغ على شعبة الموسيقى الشعبية، فهو نفسه لا يقرأ ولا يكتب النوتة الموسيقية، ولهذا السبب حارب وكره أي محاولة جادة لإصلاح الشعبة أو الإرتقاء بها، محولاً إياها إلى بيئة طاردة تنكل بالدارسين وتجهض أي تحليل أو تدوين علمي صحيح، مما أدى إلى تغيب المعرفة وضياع تراثنا الموسيقي شيئاً فشيئاً تحت وطأة الجهل والإدارة العشوائية.

والسؤال الجوهري الآن الذي يطرح نفسه : ماذا قدم خريجي أقسام المعهد للتراث الشعبي المصري؟، والإجابة لا شئ يذكر فالغالبية العظمى من جامعي وباحثي التراث المصري ليسوا من خريجي المعهد، بل أن خريجي المعهد في الأساس انصرفوا بعد التخرج إلى ممارسة أعمال أخرى، ليس لا علاقة بدورهم الأساسي، ومن تم تعيينه في مؤسسات لحفظ التراث تحول إلى إداري أو موظف دون الاهتمام بجمع وتوثيق وأرشفة التراث الشعبي المصري، بل وهناك من حاول وعجز بسبب عدم امتلاكه لآليات القيام بتلك المهام، وهو ما يفضح بجلاء فشل المعهد في إعداد باحثين في التراث الشعبي، بسبب المصالح الشخصية والضيقة، للقائمين على العملية التعليمية.

وعليه ف​إن ما يمارس اليوم داخل أسوار المعهد العالي للفنون الشعبية هو اغتيال بطيء لذاكرة مصر الثقافية، وإهدار فادح لأموال الدولة التي تُنفق على أجور أعضاء هيئة تدريس وإداريين لا ينتجون سوى الهشيم، واستمرار هذا الإنحراف المؤسسي تحت وطأة المصالح الشخصية الضيقة، والهيمنة الشمولية لعميدة ووكيلة ورؤساء أقسام لا تهمهم سوى الكراسي واللقطات الإعلامية، يعد جريمة وطنية لا يمكن السكوت عنها، فتراث مصر العريق يصرخ طلباً للإنقاذ، ولابد من وقفة جادة وحاسمة تعيد للأكاديمية هيبتها، وتفرمل هذا العبث الممنهج، وتعيد المعهد إلى سكته التاريخية الصحيحة، ليكون حصناً منيعاً لحفظ وتوثيق هوية الأمة لا مسرحاً للوهم والتربح المعنوي.

موضوعات متعلقة