حمدية عبد الغنى تكتب: رحلة إلى آل البيت..حين تمشى الروح في شوارع القاهرة
ليست كل الرحلات تقاس بالمسافات التي نقطعها، فهناك رحلات أخرى تقاس بما تتركه فى القلب من سكينة، وما تمنحه للروح من لحظات يصعب أن تختصرها الكلمات.
كانت رحلتنا إلى مساجد آل البيت، التي نظمتها نقابة الصحفيين بمبادرة وترتيب من الزميل الأستاذ أيمن عبد المجيد عضومجلس النقابة، واحدة من تلك الرحلات التي لا تنتهى بمجرد العودة إلى المنزل، وإنما تظل تفاصيلها حاضرة في الذاكرة، تستدعيها الروح كلما إحتاجت إلى لحظة هدوء بعيدا عن صخب الحياة.
بدأت الرحلة من مسجد الإمام الحسين، حيث كانت أولى اللحظات تحمل قدرا كبيرا من الهيبة والرهبة والمحبة.
دخلنا الغرفة التي تضم مقتنيات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها سيفه الشريف، وشعيرات من شعره، وعصاه، والمكحلة،
كان الوقوف أمام مقتنيات سيد الخلق أجمعين لحظة يصعب أن تصفها الكلمات، فهنا لا تقف أمام أشياء عابرة، وإنما أمام مقتنيات إرتبطت بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فتشعر بقشعريرة تسري في الجسد، ويغمر القلب إحساس عميق بالمحبة والعشق والشوق إلى رسول الله، وكأن المسافة بيننا وبين زمنه تتراجع للحظات، ويصبح حضوره أقرب إلى القلب من أي وقت مضى.
وفي مسجد الإمام الحسين أيضا، رأينا الموضع الذي يروى أنه كان مدخل الرأس الشريف للإمام الحسين رضي الله عنه إلى المسجد، فكان الوقوف أمام هذا المكان لحظة مختلفة، تستحضر فيها القلب قبل العين سيرة سيد شباب أهل الجنة، وما يحمله المكان من ذاكرة عميقة إرتبطت بآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لم يكن الأمر مجرد مشاهدة لموضع تاريخي، وإنما كان استحضارا للحظة من التاريخ، وشعورا بأن المكان لا يزال يحتفظ بشيء من أثر من مروا به، وأن بعض الأماكن لا ترى بالعين وحدها، وإنما تلمس بالقلب،
وفي مسجد الحسين أيضا، توقفت أمام كرسي الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي كان يجلس عليه في المسجد، فتذكرت صوته وكلماته وحضوره الذي لا يزال حاضرا في وجدان الملايين.
ثم انتقلنا إلى مسجد السيدة نفيسة، وهناك كان الشعور مختلفا، لكنه لا يقل عمقا، تلك السكينة التي تشعر بها في المكان لا تحتاج إلى تفسير طويل.. يكفي أن تجلس قليلا، أو تصمت، أو ترفع يديك بالدعاء، لتشعر بأن شيئا من ثقل الحياة قد إبتعد عنك.
ومن مسجد السيدة نفيسة، بدأنا السير في شارع "الأشراف"، ذلك الشارع الذي يحمل في تفاصيله صفحات من تاريخ القاهرة وذاكرة آل البيت، وتتجاور فيه المساجد والمقامات، حتى يصبح السير فيه أشبه بعبور حى داخل التاريخ.
في شارع" الأشراف"، مررنا بمسجد السيدة سكينة، والسيدة رقية، وتوقفنا أمام الأماكن التي إرتبطت بأسماء آل البيت والصالحين، كما إرتبط المكان بمدفن إبن سيرين، لتتجمع في هذه المنطقة شواهد كثيرة على تاريخ آل البيت والصالحين، وتبقى سيرتهم حاضرة في ذاكرة المكان.
كان السير على الأقدام بين هذه الأماكن له مذاق خاص ،فكل خطوة كانت تحمل حكاية، وكل مسجد يفتح أمامك بابا جديدا من الذاكرة، وكل إسم يذكرك بأن القاهرة ليست مجرد مدينة قديمة، وإنما مدينة تختزن في شوارعها وجدرانها جزءا كبير من الوجدان المصري.
ثم كانت محطتنا التالية مسجد الإمام علي زين العابدين، قبل أن نختتم الرحلة عند مسجد السيدة زينب.
وهنا كان للختام خصوصيته، فالسيدة زينب لها مكانة كبيرة في وجدان المصريين، ومسجدها ليس فقط مقصدا للزائرين، وإنما جزء من ذاكرة القاهرة وروحها وحياتها اليومية.
وفي نهاية الرحلة، اكتشفت أن أجمل ما فيها لم يكن فقط عدد المساجد التي زرناها، ولا الأماكن التي مررنا بها، وإنما ذلك الشعور الذي صاحبنا من مسجد إلى أخر،
خرجنا من صخب المدينة إلى هدوء الروح، ومن زحام الحياة إلى لحظات من التأمل، ومشينا في شوارع القاهرة القديمة وكأننا نمشي داخل صفحات من تاريخ طويل، تختلط فيه الحكاية بالإيمان، والذاكرة بالمحبة،
وكان لهذه الرحلة بالنسبة لي معنى آخر أكثر خصوصية، فقد أعتبرتها هدية عيد ميلادي، الذي جاء في اليوم التالي للرحلة.
وكأن أجمل ما يمكن أن أستقبل به عاما جديدا من عمري، أن أكون قد عشت قبل بدايته بساعات رحلة إلى رحاب آل البيت، بين الدعاء والسكينة ومشاعر المحبة التي تملأ القلب.
لم تكن هدية في علبة، ولا شيئا يمكن الإحتفاظ به، لكنها كانت هدية تصل إلى الروح مباشرة، هدية روحانية لا تضاهيها أي هدية أخرى.. هدية جاءت في وقتها، وتركت في القلب أثرا سيظل معي طويلا، وكأنها تذكرني بأن أجمل ما نهديه لأنفسنا مع بداية عام جديد هو لحظة صادقة نشعر فيها بالإمتنان، ونحمل منها شيئا جميلا معنا إلى الأيام القادمة.
وربما لهذا السبب تحديدا، ستظل هذه الرحلة بالنسبة لي مختلفة عن كل الرحلات ليس لأنها
كانت رحلة إلى أماكن تحمل أسماء آل البيت فقط ،لكنها في حقيقتها كانت رحلة إلى داخل النفس أيضا، رحلة تمنح الإنسان فرصة لأن يتوقف قليلا، ويعيد ترتيب قلبه، ويتذكر أن وسط كل هذا الصخب ما زالت هناك أماكن قادرة على أن تمنح الروح بعضا من السكينة.
شكرا لنقابة الصحفيين، وللزميل الأستاذ أيمن عبد المجيد، على هذه الرحلة التي جمعت الزملاء بعيدا عن ضغوط العمل وإيقاعه السريع، ومنحتنا يوما مختلفا بين رحاب آل البيت.
عدنا من الرحلة، لكن بعض الرحلات لا تنتهي بالعودة ..لكنها
تظل في القلب.















