الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: اللواء حسن رشاد..فى قلب القرار كيف تدير القاهرة أخطر ملفات التفاوض الإقليمي؟

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بحجم ما تعلنه، بل بقدرتها على الفعل في المساحات الرمادية، حيث تتداخل المصالح، وتتقاطع خطوط النفوذ، وتُختبر الإرادات على أرضٍ لا تخضع لمنطق الشعارات، ومن هذا المنطلق، تكتسب شهادة الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد حول الدور المصري في مسارات التفاوض أهمية خاصة، ليس فقط لكونها صادرة من طرف خارجي، بل لأنها تعكس إدراكًا متزايدًا لطبيعة الحضور المصري في أكثر الملفات تعقيدًا.
هذه الشهادة، في جوهرها، ليست مجرد توصيف لحالة عابرة، بل إقرار بمعادلة سياسية آخذة في التشكل، عنوانها أن القاهرة استعادت موقعها كلاعب محوري قادر على التأثير، لا الاكتفاء بدور الوسيط التقليدي.

فالمشهد الإقليمي، بما يحمله من تشابكات بين قوى متصارعة، لم يعد يحتمل أدوارًا هامشية، بل يفرض حضورًا قادرًا على فتح قنوات مغلقة، وإدارة توازنات دقيقة، ومنع الانزلاق إلى مسارات يصعب احتواؤها.
في هذا السياق، يبرز اسم اللواء حسن رشاد بوصفه أحد أبرز العقول التي تدير هذا النوع من الملفات الحساسة، حيث لا مجال للارتجال، ولا مساحة للخطأ. الرجل يمثل نموذجًا لمدرسة عمل تقوم على الجمع بين القراءة الدقيقة للواقع، والقدرة على استشراف ما هو قادم، بما يسمح بصياغة تحركات محسوبة تُحقق أهدافها دون إثارة ضجيج سياسي غير محسوب.
إن جهاز المخابرات العامة المصرية، الذي يتحرك ضمنه هذا الدور القيادي، لم يعد مجرد أداة تنفيذية، بل أصبح فاعلًا رئيسيًا في صياغة مسارات التفاوض، مستندًا إلى خبرة تراكمية، وشبكة علاقات معقدة، وقدرة على الوصول إلى دوائر مغلقة يصعب على أطراف أخرى اختراقها. وهنا تحديدًا تتجلى إحدى أهم أوراق القوة المصرية، وهي القدرة على التواصل مع أطراف متباينة، بل ومتصادمة أحيانًا، دون أن تفقد توازنها أو حيادها النسبي.
وحين يُشار إلى إمكانية الوصول إلى دوائر معقدة مثل الحرس الثوري الإيراني، فإن ذلك يعكس مستوى متقدمًا من إدارة العلاقات، قائمًا على فهم عميق لطبيعة هذه الأطراف، وحدود تحركها، ونقاط التقاطع الممكنة معها. هذه القدرة لا تُبنى في لحظة، بل هي نتاج سنوات من العمل الصامت، وإدارة ملفات متعددة بحساسية شديدة، توازن بين الأمن القومي المصري ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.
المعادلة التي تحكم هذا الدور يمكن وصفها بـ”القوة الهادئة”، حيث لا تعتمد مصر على استعراض النفوذ، بل على توظيفه بذكاء. فهي تتحرك في مساحات ضيقة، لكنها مؤثرة، وتختار توقيتاتها بدقة، بما يسمح لها بأن تكون طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي مسار تفاوضي جاد، وهذا ما يفسر لماذا تتجه الأنظار إليها في لحظات التعقيد، ولماذا تُمنح مساحة للتحرك حتى في أكثر الملفات حساسية.
ومن هنا، فإن ما تقوم به القاهرة لا يقتصر على إدارة تفاوض، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة ضبط إيقاع التوازنات في الإقليم. فهي تسعى، من خلال هذا الدور، إلى منع التصعيد، وفتح نوافذ للحلول، والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار في بيئة شديدة الاضطراب. وفي هذا الإطار، يصبح امتلاك قنوات اتصال مع أطراف متعددة، حتى المتناقضة منها، ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار تكتيكي.
الدور الذي يلعبه اللواء حسن رشاد داخل هذه المنظومة يعكس طبيعة التحول في الأداء المصري، حيث لم يعد الاعتماد على رد الفعل، بل على المبادرة وصناعة المسار. فإدارة هذا النوع من الملفات تتطلب عقلًا قادرًا على التعامل مع التفاصيل الدقيقة، وفي الوقت نفسه رؤية شاملة تدرك الصورة الأكبر، وتربط بين الجزئيات المختلفة ضمن سياق واحد متكامل.
كما أن هذا الأداء يعكس إدراكًا مصريًا بأن الصراعات الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالقوة الصلبة، بل بتشابك الأدوات، من المعلومات إلى العلاقات، ومن التوقيت إلى القدرة على التأثير غير المباشر. وهنا تحديدًا تبرز أهمية المؤسسات التي تعمل في الظل، والتي تُدير معارك من نوع مختلف، لا تقل خطورة عن المواجهات التقليدية.
إن استعادة مصر لهذا الدور لا تأتي في فراغ، بل في سياق إقليمي ودولي يشهد إعادة تشكيل مستمرة لموازين القوة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحفاظ على موقع متقدم في معادلات التأثير مسألة حيوية، تتطلب جاهزية دائمة، وقدرة على التكيف مع متغيرات سريعة ومعقدة.
وفي النهاية، فإن شهادة باراك رافيد، مهما اختلفت دوافعها، تعكس حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن مصر، عبر أدواتها ومؤسساتها، لا تزال قادرة على أن تكون لاعبًا رئيسيًا في إدارة الأزمات، وأن تفرض حضورها في لحظات الحسم، وفي قلب هذا الحضور، يقف اللواء حسن رشاد كأحد العقول التي تُجسد هذا الدور، وتُترجم الرؤية إلى فعل، في مساحات لا يُرى فيها الكثير، لكن يُصنع فيها الكثير.
هكذا تُدار السياسة في مستوياتها الأعمق، لا بالتصريحات، بل بالفعل، ولا بالضجيج، بل بالتأثير. وهنا تحديدًا، تبرز قيمة الدور المصري، كقوة توازن تسعى إلى منع الانفجار، وإبقاء المنطقة ضمن حدود يمكن التحكم فيها، مهما بلغت درجة التعقيد.